له من الموت، فيفوته بهذا القليل ما هو خير منه وأنفع من حياة الشهيد عند ربه. ثم قال: (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) .
فأخبر سبحانه أن العبد لا يعصمه أحد من الله، إن أراد به سوءا غير الموت الذى فرّ منه، فإنه من الموت لما كان يسوءه، فأخبر الله سبحانه أنه لو أراد به سوءا غيره لم يعصمه أحد من الله، وأنه قد يفر مما يسوءه من القتل في سبيل الله، فيقع فيما يسوءه مما هو أعظم منه وإذا كان هذا في مصيبة النفس، فالأمر هكذا في مصيبة المال والعرض والبدن، فإن من بخل بماله أن ينفقه في سبيل الله تعالى وإعلاء كلمته، سلبه الله إياه، أو قيض له إنفاقه فيما لا ينفعه دنيا ولا أخرى، بل فيما يعود عليه بمضرته عاجلا وآجلا، وإن حبسه وادّخره منعه التمتع به، ونقله إلى غيره، فيكون له مَهْنَؤهُ وعلى مخلِّفه وزوه، وكذلك من رَفَّه بدنه وعرضه وآثر راحته على التعب لله وفى سبيله أتعبه الله سبحانه أضعاف ذلك في غير سبيله، ومرضاته وهذا أمر يعرفه الناس بالتجارب"."
ثم قال:"وكذلك كل من امتنع أن يذلَّ لله، أو يبذل ماله في مرضاته، أو يتعب نفسه وبدنه في طاعته، لابد أن يذل لمن لا يسوى، ويبذل له ماله ويتعب نفسه وبدنه في طاعته ومرضاته عقوبة له، كما قال بعض السلف:"من امتنع أن يمشى مع أخيه خطوات في حاجته أمشاه الله تعالى أكثر منها في غير طاعته"انتهى كلامه."
3.كون النبي - صلى الله عليه وسلم - تمنى أن يموت بها، ودعا بها أيضا، وطلبها وأحبها، وأيضا مات بها كما سبق، وكفى بذلك شرفا لها.
4.كون الموت بها يكون بالقتل، وهذا أشرف الموت عند العرب قديما، فإن العرب كانت قديما تنفر من الموت على الفراش، وتعد الموت بالقتل شرفا للميت، قال ابن عبد ربه في العقد الفريد:"وكانوا يتمادحون بالموت قعصا، ويتهاجون بالموت على الفراش، ويقولون فيه: مات فلان حتف أنفه، وأول من قال ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، وخطب عبد الله بن الزبير الناس لما بلغه قتل مصعب أخيه فقال: إن يُقتل فقد قُتل أبوه وأخوه وعمه، إنا والله لا نموت حتفًا، ولكن نموت قعصًا بأطراف الرماح، وموتًا تحت ظلال السيوف، وإن يقتل مصعب فإن في آل الزبير خلفًا منه"انتهى كلامه.