ومن تسبب على نفسه بالموت والهلاك كمن باشر قتل نفسه في الإثم والحكم، فإن القاعدة تقول: إن المتسبب له حكم المباشر، وقد قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} البقرة، أي لا تلقوا أنفسكم إلى موارد الهلكة والموت أو تفعلوا فعلا تصير به عاقبتكم إلى الهلاك.
وهذه الآية وإن كانت نزلت في الهلاك الديني، كما جاء عن أسلم أبى عمران، قال: (غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه، مه، لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى(وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) فالإلقاء بالإيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد، قال أبوعمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية) رواه أبو داود والحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلفظ الهلاك يشمل الهلاك الديني والهلاك الدنيوي، ولا يمنع اعتراض أبي أيوب من دخول الصورة المذكورة في الحديث في عموم آية التهلكة.
قال الشوكاني في النيل:"قوله:"فالإلقاء بأيدينا إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا"الخ هذا فرد من أفراد ما تصدق عليه الآية، لأنها متضمنة للنهي لكل أحد عن كل ما يصدق عليه أنه من باب الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا كانت تلك الصورة التي قال الناس إنها من باب الإلقاء، لما رأوا الرجل الذي حمل على العدو كما سلف من صور الإلقاء لغة أو شرعًا، فلا شك أنها داخلة تحت عموم الآية، ولا يمنع من الدخول اعتراض أبي أيوب بالسبب الخاص، وقد تقرر في الأصول رجحان قول من قال إن الاعتبار بعموم اللفظ، ولا حرج في اندراج التهلكة باعتبار الدين وباعتبار الدنيا تحت قوله (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ويكون ذلك من باب استعمال المشترك في جميع معانيه، وهو أرجح الأقوال الستة المعروفة في الأصول في استعمال المشترك"انتهى كلامه.
والإلقاء باليد إلى التهلكة في الجهاد مانع من موانع الشهادة، لأن هذا الفعل ليس بمشروع أصلا ومنهي عنه، وصاحبه آثم، وقد ورد في الحديث عن سهل رضي الله عنه قال: التقى النبي - صلى الله عليه وسلم - والمشركون