في بعض مغازيه، فاقتتلوا فمال كل قوم إلى عسكرهم، وفي المسلمين رجل لا يدع من المشركون شاذة ولا فاذة إلا اتبعها فضربها بسيفه، فقيل يا رسول الله: ما أجزأ أحد ما أجزأ فلان، فقال: (إنه من أهل النار) فقالوا: أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ فقال رجل من القوم: لأتَّبعنَّه، فإذا أسرع وأبطأ كنت معه، حتى جرح فاستعجل الموت فوضع نصاب سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه، فقتل نفسه، فجاء الرجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أشهد أنك رسول الله، فقال: (وما ذاك؟) فأخبره، فقال: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وإنه من أهل النار، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة) رواه البخاري.
فهذا انتحر في المعركة وباشر قتل نفسه وأوجب فعله دخول النار، والمنع من الشهادة، فإن الشهيد لا يدخل النار، والملقي بنفسه إلى موارد الهلكة متسبب على نفسه بالموت، وقد سبق أن المتسبب له حكم المباشر، فيكون حكمه حكم المنتحر، فمن أقدم على فعل ألقى بنفسه فيه إلى الموت في الجهاد بلا مصلحة ولا نفع، فقتل بسبب فعله فليس بشهيد، فالتغرير بالنفس في الجهاد جائز بالاتفاق، ولكنه مقيد بالمصلحة والمنفعة، فمن غرر بنفسه بلا مصلحة فهو ملق بنفسه إلى التهلكة.
وقد روى سعيد بن منصور في سننه عن عبد الرحمن بن شماسة المهري أنهم حاصروا حصنا، فمر عقبة بن عامر برجلين يقاتلان من مكان ينالُهُم العدو ولا ينالونهم، فقال عقبة: (إن هذا ليس لكما بمُقَاتَل) فانصرف أحدهما، ومكث الآخر حتى قتل، فأبى عقبة أن يصلي عليه.
فهو أبى أن يصلي عليه لأنه ألقى بيده إلى التهلكة بلا مصلحة تذكر في العدو.
وصور إلقاء اليد إلى التهلكة لا تنحصر، فإن التغرير بالنفس بالجهاد كثير، والمشروع منها ما كان للمصلحة فقط.
ومن أمثلة الإلقاء في التهلكة تمكين الشخص العدو من نفسه مع إمكانية التحرز منه والدفاع عن النفس بلا مصلحة، ويدخل في ذلك صور كثيرة كمن خرج عليهم بلا سلاح وهم متسلحون ومتدرعون، فقتلوه بلا مصلحة في ذلك.
وهناك صور قد يتوهم أنها من الإلقاء باليد إلى التهلكة، ولكن الصحيح أنها لا تدخل في الإلقاء باليد إلى التهلكة، منها: