فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 672

وأمرهم وأوجب عليهم أيضا إذا لاقوا الكفار في الصفوف أن لا يفروا، وهذا الإيجاب والأمر لكل واحد بعينه، فلا يجوز له الفرار، ولو فر أصحابه، ولا يسقط كون الشخص وحده فرضية الثبات عليه، فمن فر أصحابه ولم يبق إلا هو لوحده، فلا يجوز له الفرار بل عليه أن يقاتل العدو ولو لوحده - خلافا للسبكي فإنه يرى استحباب الثبات كما في عون المعبود - وقد جاء في الحديث أن هذا مما يعجب ويضحك منه الرب عز وجل، فورد عند الطبراني في الكبير بإسناد حسن كما قال ابن النحاس عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه فإما أن يقتل وإما أن ينصره الله ويكفيه فيقول انظروا إلى عبدي كيف صبر لي بنفسه .... ) .

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (عجب ربنا من رجل غزا في سبيل الله فانهزم - يعني أصحابه - فعلم ما عليه، فرجع حتى أهريق دمه، فيقول الله تعالى لملائكته انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه) رواه أبو داود والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده أحمد شاكر، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود.

وتأمل قوله (فعلم ما عليه) أي من الإثم في الانهزام، فهذا يفيد أن عليه إثم في الفرار والانهزام، وأنه لا عذر له في فرار أصحابه إلا أن يكون في حالة لا يبقى في ثباته مصلحة ولا نكاية في العدو، وليس فيه إلا الهلاك المحض، ففي هذه الحال للشخص الفرار كما سبق بيانه.

وهذه الأحوال السابقة ذكرها التي يجوز فيها الفرار من العدو، من قتل فيها وهو فار فهو شهيد، وليس فرار وإدباره مانعا من الشهادة، ولكن هل يكون كالشهيد الذي قتل مقبلا في الأفضلية؟

ظاهر صنيع ابن النحاس في المشارع أن الذي يقتل مقبلا أفضل من الذي يقتل مدبرا حيث يجوز له الفرار، حيث قال بعد ذكره لمراتب النيات وتفضيله النيتين الأولى والثانية على الثالثة قال:"واعلم أن هذه النيات الثلاث كافيات في نيل المقصود، وكفيلات بدار الخلود، غير أن النية الأخيرة كالقشر بالنسبة إلى الأولى والثانية، ويلتحق بها في الرتبة من يفر من أصحاب النية الثانية حيث يجوز له الفرار فيقتل وهو مول، ويشابهما أيضا في الرتبة من قتل من أصحاب النيتين الأوليين في حال توليه متحيزا لا فارا"انتهى كلامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت