3.قال ابن النحاس:"فإن خرج إلى الجهاد بالنية الخالصة أيضا، واستمرت نيته إلى أن تراءت الفئتان وصف الناس للقتال، فجبن حينئذ عن الإقدام والقتال، واستحيا من الناس أن ينهزم، ولو كان بحيث لا يراه احد أو كان ليلا لانهزم ونجا بنفسه، فلما علم أن الناس يعيبونه بالهزيمة ويعيرونه بها، قاتل إذ ذاك حياء مشوبا بنوع من قصد القربة، بحيث لو قدر اتفاق مثل ذلك له مع قطاع طريق ونحوهم لانهزم، ولم يلتفت إلى خوف الذم والعار، فثبات هذا ثبات مشترك بين خوف الذم وقصد الأجر، فينبغي أن لا يكون هذا إذا قتل من شهداء الآخرة، قياسا على ما تقدم من قصد الأجر والذكر، إذ لا يظهر فرق بين خوف الذم وطلب المدح لأن كلا منهما رياء مذموم وفعل مشئوم"انتهى كلامه.
4.من غزا بنية خالصة ثم طرأ عليه الرياء في جهاده فله أحوال:
الحال الأول: أن يجاهد هذا الوارد الذي ورد عليه، ولا يسترسل معه، فهذا لا شيء عليه، وليس عمله حابط، وهو مأجور على مجاهدته نفسه على دفع هذا الوارد الذي ورد عليه.
الحال الثانية: أن يسترسل مع وارد الرياء الذي ورد عليه وهذا له حالان:
الأول: أن يسترسل معه حتى يقتل، فهذا ليس بشهيد، لكونه أشرك في النية، وقد تقدم ذكر ذلك، ولا ينفعه كونه مخلصا في بداية أمره.
الثاني: أن يسترسل معه ثم يتوب من ذلك ويخلص ويقتل، فهذا إذا قتل فهو شهيد، لكون خاتمة أمره هو الإخلاص، والأمور بالخواتيم، ولو تاب قبل قتله بلحظة، أما الأعمال التي عملها في وقت الاسترسال، فهي باطلة وحابطة، وليس له أجر عليها، وليست أعمال الجهاد متصلة أولها بآخرها حتى يحبط العمل كله ولو أشرك في جزء منه كالصلاة، بل أعمال الجهاد غير متصلة، فمن رآى مثلا في قتل كافر واحد، ثم تاب وأخلص لله النية وقتل فهو شهيد، أما الكافر الذي قتله بنية الرياء، فليس له عليه أجر، وكذا من طرأ عليه الرياء في أول المعركة إلى منتصفها، ثم تاب وأخلص النية في نصفها الباقي، فالنصف الأول لا أجر له عليه، والنصف الآخر مأجور عليه، ونحو ذلك.
هذا وللرياء دقائق وخفايا لا يفطن لها إلا القليل من الناس الذين نور الله قلوبهم وبصائرهم، ومع شدة خفاء الرياء فإن شوائبه كثيرة لا تحصر.