قوله تعالى: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(53) .
الاتّباع: الاقتداء بالمتبَع ، وهو أخصُّ من الإِجابة ، إذ قد
يكون مجيباً من لا يكون تابعاً ، وإنما قال: (ربنا) ولم يقل:
رب العباد ؛ لأن الموضع موضع اعتراف وشكر ، لا الإِخبار عما
عليه الشيء فِي نفسه ، فلذلك خص (ربنا) ، وقد تقدم أن الشاهد
هو المخبر عن الشيء مشاهدة: إما حسًّا أو عقلًا ، وأنه استعير
للشهادة فِي الأحكام ، والشاهدون ها هنا هم الذين على طريقة
من قال فيهم: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) .
ونبه بقوله: (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) أنهم منهم ،
وقوله: (ربنا) متصل بالحكاية عنهم.
وأخبرنا تعالى بذلك لنقتدي بهم فِي متابعة
النبي - صلى الله عليه وسلم - والتضرُّع إلى الله فِي طلب الثواب كما طلبوه.
قوله عز وجل. (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(54)
المكر فِي الأصل: حيلة يُجلب بها الإنسان إلى مفسدة.
وحيلة قد تقال فيما يُجلب به إلى مصلحة ، وقد يُقال فِي ذلك المكر
والخديعة اعتباراً بظاهر الفعل دون المقصد ، والحكيم قد يفعل
ما صورته صورة المكر ، ولكن قصده المصلحة لا المفسدة ، وعلى
هذا سئل بعض المحققين عن مكر الله فأنشد:
ويقبح من سواك الشيء عندي ... وتَفْعَلُه فيحسن منك ذاكا
فإذن مكر الله قد يكون تارة فعلًا يُقصد به مصلحة ، ويكون تارة
جزاء المكر ، ويكون تارة بأن لا يقبِّح مكرهم فِي عينهم ، وذاك
بانقطاع التوفيق عنهم وتزيين ذلك فِي أعينهم ، حتى كأنه زيَّنه في
أعينهم ومكر بهم ، ويكون تارة بإعطائهم ما يريدون من دنياهم.
فإذا أعطاهم واستعملوه على غير ما يحب ، فكأنه مكر بهم ،
واستدرجهم من حيث لا يعلمون.
ولأجله قال: (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ)
وهذا من المعنى الذي اقتضى الذي قال تعالى: