قوله عز وجل: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ(38)
هنالك: يقع على الزمان والمكان ، وإن كان المكان أملك له ، يقال: هنا ، وهناك ، وهنالك ، كقولك: ذا ، وذاك ، وذلك ، ولما رأى زكريا من أحوال مريم تلك العجائب ، وكان به حاجة إلى الولد مع كبر سنه ووهن من
عظامه ، سأله أن يهب له ذرية طيبة ، أي صالحة ، واستعمال الطيب
في الصالح: كاستعمال الخبيث فِي ضده ، فِي نحو قوله: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ) ، على أن فِي الطيب زيادة معنى على الصالح وقوله:
(مِنْ لَدُنْكَ) أي من نعمك وفضلك الإِلهي ، وذاك أن إيجاد الأشياء
وإن كانت كلها بقدرته وفضله فعلى ضربين: إبداع ، وهو الذي لم
يجعل لغوه إليه سبيلا ، لا للملائكة ولا للناس ، وفِعْل جَعَلَ
للروحانيّ أو الجسمانيّ إليه سبيلًا ، فبين بقوله: (مِنْ لَدُنْكَ) أنه
يسأل ما يتفرَّد بإيجاده.
وقوله: (مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) أي مجيب
لمن دعاك على الشرائط التي بها تُدعى ، وقد تقدَّم الكلام في
شرائط الدعاء فِي قوله: (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) .
قوله تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ(39)
المحراب: قيل: سُمّي بذلك لأنه موقع محاربة
الشيطان والهوى ، وقيل: لكون الإِنسان حريباً من أشغال
الدنيا.
وقيل: الأصل فيه أنه موضع حريبة الرجل أي ماله ، وذلك أنه
كان اسماً لصدر المجلس ، ثم لمَّا اتُّخذت المساجد سمي به
منها ذلك الموضع ، وقوله: (بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) قيل: هي
كلمةُ الإِيمان ، وهو قول قتادة ، وقال أبو عبيدة: كتاب الله