وإنما يُفتح ويفض: الختم قبل الغَرْف، فقد علمت أن (قُدِحت) مُقَدَّم في اللفظ، مُؤَخَّرٌ في المعنى، كذلك ههنا بدأ بالسجود لفظاً، وهو مؤَخَّرٌ معنى، والكلام في هذه المسألة يُذكر عند قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة: 6] الآية.
قال ابن الأنباري: أمَرها أمراً عاماً، وحضَّها على أفعال الخير، فكأنه قال: استعملي السجود في حال، واستعملي الركوع في حال، ولم يذهب إلى أنهما يجتمعان، ثمَّ يُقدَّم السجودُ على الركوع؛ بل أراد العموم بالأمر على اختلاف الحالين.
وقوله تعالى: {مَعَ الرَّاكِعِينَ} . ولم يقل مع الراكعات؛ لأن الراكعين أعمُّ؛ لوقوعه على الرجال والنساء إذا اجتمعوا، والراكعات يختصُّ بالنساء، فكان الأعم أولى.
ومعنى قوله: {مَعَ الرَّاكِعِينَ} أي: افعلي كفعلهم. وقيل: المراد به: الصلاة في الجماعة.
قال المفسرون: كلَّمت الملائكةُ بهذا مريَم شفاها، فقامت مريمُ في الصلاة حتى ورمت قدماها، وسالتا دماً، وقيحاً.
44 -قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ} . أشار إلى ما قصَّ من حديث زكريا، ومريم، ويحيى.
وقوله تعالى: {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} [أي] : نلقيه إليكَ. و (الإيحاء) في اللغة: إلقاء معنى الكلام إلى من تريد إعلامه؛ إما بإرسال رسول، أو بإلهام، أو بكتابة، أو بإشارة. فمن الإرسال: قوله عز وجل: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} [النساء: 163] .
ومن الإلهام: قوله: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68] ، وقوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7] ، ومن الإشارة: قوله: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا} [مريم: 11] ، أي: أشار إليهم، وقوله: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} [الأنعام: 121] ، أي: يُلْقون إليهم بالوَسْوَسَة.