(فائدة)
مَوَاضِعُ السَّجَدَاتِ فِي الْقُرْآنِ نَوْعَانِ: إخْبَارٌ، وَأَمْرٌ؛ فَالْإِخْبَارُ خَبَرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ سُجُودِ مَخْلُوقَاتِهِ لَهُ عُمُومًا أَوْ خُصُوصًا، فَسُنَّ لِلتَّالِي وَالسَّامِعِ وُجُوبًا أَوْ اسْتِحْبَابًا أَنْ يَتَشَبَّهَ بِهِمْ عِنْدَ تِلَاوَةِ آيَةِ السَّجْدَةِ أَوْ سَمَاعِهَا، وَآيَاتُ الْأَوَامِرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَهَذَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَمْرٍ وَأَمْرٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْأَمْرُ بِقَوْلِهِ: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [النجم: 62] : مُقْتَضِيًا لِلسُّجُودِ دُونَ الْأَمْرِ بِقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] فَالسَّاجِدُ إمَّا مُتَشَبِّهٌ بِمَنْ أُخْبِرَ عَنْهُ، أَوْ مُمْتَثِلٌ لِمَا أُمِرَ بِهِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يُسَنُّ لَهُ السُّجُودُ فِي آخِر الْحَجِّ كَمَا يُسَنُّ لَهُ السُّجُودُ فِي أَوَّلِهَا؛ فَلَمَّا سَوَّتْ السُّنَّةُ بَيْنَهُمَا سَوَّى الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ وَالِاعْتِبَارُ الْحَقُّ بَيْنَهُمَا.
وَهَذَا السُّجُودُ شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عُبُودِيَّةً عِنْدَ تِلَاوَةِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَاسْتِمَاعِهَا، وَقُرْبَةً إلَيْهِ، وَخُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ، وَتَذَلُّلًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاقْتِرَانُ الرُّكُوعِ بِبَعْضِ آيَاتِهِ مِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ، وَيُقَوِّيه، لَا يُضْعِفُهُ وَيُوهِيه، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] فَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ مَوْضِعَ سَجْدَةٍ لِأَنَّهُ خَبَرٌ خَاصٌّ عَنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ لِامْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا أَنْ تُدِيمَ الْعِبَادَةَ لِرَبِّهَا بِالْقُنُوتِ وَتُصَلِّيَ لَهُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ فَهُوَ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ لَهَا ذَلِكَ، وَإِعْلَامٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ ذَلِكَ لِمَرْيَمَ.
فَسِيَاقُ ذَلِكَ غَيْرُ سِيَاقِ آيَاتِ السَّجَدَاتِ. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...