الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281) }
وَقِيلَ: هَذِهِ الْآيَةُ أَيْضًا آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} "
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَثَ بَعْدَهَا تِسْعَ لَيَالٍ، وَبَدَا يَوْمَ السَّبْتِ، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.
[وعن] سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ أَحْدَثَ الْقُرْآنِ، بِالْعَرْشِ آيَةُ الدَّيْنِ» يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَاحْذَرُوا أَيُّهَا النَّاسُ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ فَتَلْقَوْنَهُ فِيهِ أَنْ تَرِدُوا عَلَيْهِ بِسَيِّئَاتٍ تُهْلِكُكُمْ، أَوْ بِمُخْزِيَاتٍ تُخْزِيكُمْ، أَوْ بِفَضِيحَاتٍ تَفْضَحُكُمْ، فَتَهْتِكَ أَسْتَارَكُمْ، أَوْ بِمُوبِقَاتٍ تُوبِقُكُمْ، فَتُوجِبُ لَكُمْ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، وَإِنَّهُ يَوْمُ مُجَازَاةِ الْأَعْمَالِ لَا يَوْمَ اسْتِعْتَابٍ، وَلَا يَوْمَ اسْتِقَالَةٍ وَتَوْبَةٍ وَإِنَابَةٍ، وَلَكِنَّهُ يَوْمُ جَزَاءٍ وَثَوَابٍ وَمُحَاسَبَةٍ، تُوَفَّى فِيهِ كُلُّ نَفْسٍ أَجْرَهَا عَلَى مَا قَدَّمَتْ وَاكْتَسَبَتْ مِنْ سَيِّئٍ وَصَالِحٍ، لَا يُغَادَرُ فِيهِ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةٌ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ إِلَّا أُحْضِرَتْ، فَتُوفَّى جَزَاءَهَا بِالْعَدْلِ مِنْ رَبِّهَا، وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وَكَيْفَ يُظْلَمُ مِنْ جُوزِيَ بِالْإِسَاءَةِ مِثْلَهَا وَبِالْحَسَنَةِ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، كَلَّا بَلْ عَدَلَ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْمُسِيءُ، وَتَكَرَّمَ عَلَيْكَ فَأَفْضَلَ وَأَسْبَغَ أَيُّهَا الْمُحْسِنُ، فَاتَّقَى امْرُؤٌ رَبَّهُ فَأَخَذَ مِنْهُ حِذْرَهُ وَرَاقَبَهُ أَنْ يَهْجِمَ عَلَيْهِ يَوْمَهُ، وَهُوَ مِنَ الْأَوْزَارِ ظَهْرُهُ ثَقِيلٌ، وَمِنْ صَالِحَاتِ الْأَعْمَالِ خَفِيفٌ، فَإِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَذَّرَ فَأَعْذَرَ، وَوَعَظَ فَأَبْلَغَ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 5/}