تَبَيَّنَ إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَنَّ دَيْنَ رَبِّ الْمَالِ فِي ذِمَّةِ غَرِيمِهِ يَقْضِيهِ مِنْ مَالِهِ، فَإِذَا عَدِمَ مَالَهُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَدِمَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ مِنْهُ حَقَّ صَاحِبِهِ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى رَقَبَتِهِ سَبِيلٌ لَمْ يَكُنْ إِلَى حَبْسِهِ بِحَقِّهِ وَهُوَ مَعْدُومٌ سَبِيلٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَانِعِهِ حَقًّا لَهُ إِلَى قَضَائِهِ سَبِيلٌ، فَيُعَاقَبُ بِظُلْمِهِ إِيَّاهُ بِالْحَبْسِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}
يَعْنِي جَلَّ وَعَزَّ بِذَلِكَ: وَأَنْ تَتَصَدَّقُوا بِرُءُوسِ أَمْوَالِكُمْ عَلَى هَذَا الْمُعْسِرِ خَيْرٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ مِنْ أَنْ تُنْظِرُوهُ إِلَى مَيْسَرَتِهِ لِتَقْبِضُوا رُءُوسَ أَمْوَالِكُمْ مِنْهُ إِذَا أَيْسَرَ، {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} مَوْضِعَ الْفَضْلِ فِي الصَّدَقَةِ، وَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ مِنَ الثَّوَابِ لِمَنْ وَضَعَ عَنْ غَرِيمِهِ الْمُعْسِرِ دَيْنَهُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَأَنْ تَصَدَّقُوا بِرُءُوسِ أَمْوَالِكُمْ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ مِنْهُمْ خَيْرٌ لَكُمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَأَنْ تَصَدَّقُوا بِهِ عَلَى الْمُعْسِرِ خَيْرٌ لَكُمْ.
عَنِ السُّدِّيِّ: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} قَالَ: «وَأَنْ تَصَدَّقُوا بِرُءُوسِ أَمْوَالِكُمْ عَلَى الْفَقِيرِ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، فَتَصَدَّقَ بِهِ الْعَبَّاسُ»
[وعن] الضَّحَّاكَ، فِي قَوْلِهِ: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} «يَعْنِي عَلَى الْمُعْسِرِ، فَأَمَّا الْمُوسِرُ فَلَا، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ رَأْسُ الْمَالِ، وَالْمُعْسِرُ الْأَخْذُ مِنْهُ حَلَالٌ وَالصَّدَقَةُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ»
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ: وَأَنْ تَصَدَّقُوا عَلَى الْمُعْسِرِ بِرُءُوسِ أَمْوَالِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ؛ لِأَنَّهُ يَلِي ذِكْرَ حُكْمِهِ فِي الْمَعْنَيَيْنِ، وَإِلْحَاقُهُ بِالَّذِي يَلِيهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِلْحَاقِهِ بِالَّذِي بَعْدَ مِنْهُ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي أَحْكَامِ الرِّبَا هُنَّ آخِرُ آيَاتٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ.
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ: «كَانَ آخِرُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ آيَةُ الرِّبَا، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِضَ قَبْلَ أَنْ يُفَسِّرَهَا، فَدَعُوا الرِّبَا وَالرِّيبَةَ»