الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ}
يَعْنِي بِذَلِكَ: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ بِأَمْرِهِمْ وَحَالِهِمْ أَغْنِيَاءَ مِنْ تَعَفُّفِهِمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَتَرْكِهِمُ التَّعَرُّضَ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ صَبْرًا مِنْهُمْ عَلَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {مِنَ التَّعَفُّفِ} مِنْ تَرْكِ مَسْأَلَةِ النَّاسِ، وَهُوَ التَّفَعُّلُ مِنَ الْعِفَّةِ عَنِ الشَّيْءِ، وَالْعِفَّةُ عَنِ الشَّيْءِ تَرْكُهُ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ: فَعَفَّ عَنْ أَسْرَارِهَا بَعْدَ الْعَسْقِ يَعْنِي بَرِئَ وَتَجَنَّبَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ}
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: تَعْرِفُهُمْ يَا مُحَمَّدُ بِسِيمَاهُمْ، يَعْنِي بِعَلَامَتِهِمْ وَآثَارِهِمْ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} هَذِهِ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ: «بِسِيمَائِهِمْ» فَيَمُدُّهَا، وَأَمَّا ثَقِيفٌ وَبَعْضُ أَسَدٍ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: «بِسِيمِيَائِهِمْ» ؛ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
غُلَامٌ رَمَاهُ اللَّهُ بِالْحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيمِيَاءُ لَا تَشُقُّ عَلَى الْبَصَرْ
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السِّيمَا الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ أَنَّهَا لِهَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ وُصِفَتْ صِفَتُهُمْ وَأَنَّهُمْ يُعْرَفُونَ بِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ التَّخَشُّعُ وَالتَّوَاضُعُ.
وَقَالَ آخَرُونَ يَعْنِي بِذَلِكَ: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَا الْفَقْرِ وَجَهْدِ الْحَاجَةِ فِي وُجُوهِهِمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: تَعْرِفُهُمْ بِرَثَاثَةِ ثِيَابِهِمْ، وَقَالُوا: الْجُوعُ خَفِيُّ