بلا واسطة فحِينَئِذٍ يكون مَن اسمًا وفيه مقال قد أوضحناه في قَوْله تَعَالَى:(ومن النَّاس من
يقول آمَنَّا باللَّه)الآية. قوله عَلَى الإيمان مَفْعُول به بواسطة عَلَى حذف لقيام
القرينة عليه.
قوله:(فإن المال شقيق الروح فمن بذل ماله لوجه الله ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله
وروحه ثبتها كلها)فإن المال شقيق الروح أي أخوه وبذله أشق شيء عَلَى النفس، فمن بذله
يثبت عَلَى سائر الْأَعْمَال الشاقة وعلى الإيمان؛ لأن النفس إذا ريضت بالتحامل وتكليفها
ما يصعب عليها ذلت خاضعة لصاحبها. وقيل طمعها في الاتباع بشهواتها وبالعكس فكان
إنفاق المال تثبيتًا لها عَلَى الإيمان واليقين كذا في الكَشَّاف.
قوله: (أو تصديقًا للإسلام وتحقيقًا للجزاء مبتدأ من أصل أنفسهم) أي الْمُرَاد بقوله
(وتثبيتًا) تثبيت الْإسْلَام لا تثبيت بعض أنفسهم كما في الأول تحقيقًا
للجزاء. أي الثواب مبتدأ من أصل أنفسهم وهو القلب لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل
الله علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه كما في الكَشَّاف فعلم
منه أن الْمُرَاد بتصديق الْإسْلَام التصديق بثواب الإنفاق. فقوله وتحقيقًا للجزاء كعطف تفسير
لتصديق الْإسْلَام فمن حِينَئِذٍ لابتداء الغاية ويحتمل أن يكون الْمَعْنَى تثبيتًا من أنفسهم عند
الْمُؤْمنينَ أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة من قرأ (وتبيينًا من أنفسهم) كذا في
الإرشاد ولَا تَحْسَبَنَّ أن هذا معنى كلام المصنف فإن هذا الاحتمال معنى آخر له بل مراده ما
ذكرناه. وقيل من بمعنى اللام وجوز نصبها عَلَى الحالية أو الْمَفْعُولِيَّة لأجله و (مِنْ) تبعيضية
والجار والمجرور صفة تثبيتًا.
قوله: (وفيه تنبيه عَلَى أن حكمة الإنفاق للمنفق تزكية للنفس عن البخل وحب المال)
ولا يظهر من الْمَعْنَى الذي ذكره التَّنْبيه عَلَى كون الْحكْمَة ذلك بل لو فسر التثبيت بتعويد
النفس عَلَى الإنفاق وبذل المال في المصارف الحقة لكان كون الْحكْمَة ما ذكره ظاهرًا، وأما
الْحكْمَة عَلَى الْمَعْنَى الذي ذكره كون الإيمان ثابتًا متقررًا مصونًا عن [الزاول] ، إلا أن يقال إن
تزكية النفس عن البخل وحب المال من قبيل التثبيت عَلَى الإيمان واليقين بل عَلَى الطاعات
التي هي ثمرات الإيقان.
قوله:(أي ومثل نفقة هؤلاء في الزكاء، كمثل بستان بموضع مرتفع، فإن شجره يكون
أحسن منظرًا وأزكى ثمرًا)أَشَارَ إلَى أن الْمُضَاف مَحْذُوف في (ومثل الَّذينَ ينفقون)
لأنه حمل التَّشْبِيه عَلَى التشبيه المركب وقد عرفت أن رعاية المناسبة
أحسن فقدر النفقة لأنها تشبه البستان في الزكاء والنماء دون الَّذينَ ينفقون. وأشار بقوله
كمثل بستان إلَى أن الجنة هنا بمعنى البستان لا الأشجار؛ فلذا قال فإن شجره، وأما في قوله