لأن احتباسه في بطن الحوت وعدم موته هناك لما لم يكن إرهاصاً ولا كرامة فلا بد وأن يكون معجزة وذلك يقتضي أنه كان رسولاً في تلك الحالة.
المسألة الثانية:
احتج الأصحاب على أن فعل العبد خلق الله تعالى بقوله: {فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين} فالآية تدل على أن ذلك الصلاح إنما حصل بجعل الله وخلقه ، قال الجبائي: يحتمل أن يكون معنى جعله أنه أخبر بذلك ، ويحتمل أن يكون لطف به حتى صلح إذ الجعل يستعمل في اللغة في هذه المعاني والجواب: أن هذين الوجهين اللذين ذكرتم مجاز ، والأصل في الكلام الحقيقة.
قوله تعالى: {وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارهم لَمَّا سَمِعُواْ الذكر} فيه مسألتان:
المسألة الأولى:
إن مخففة من الثقيلة واللام علمها.
المسألة الثانية:
قرئ: {لَيُزْلِقُونَكَ} بضم الياء وفتحها ، وزلقه وأزلقه بمعنى ويقال: زلق الرأس وأزلقه حلقه ، وقرئ ليزهقونك من زهقت نفسه وأزهقها ، ثم فيه وجوه أحدها: أنهم من شدة تحديقهم ونظرهم إليك شزراً بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك من قولهم: نظر إليَّ نظراً يكاد يصرعني ، ويكاد يأكلني ، أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله ، قال الشاعر:
يتقارضون إذا التقوا في موطن.. نظراً يزل مواطئ الأقدام
وأنشد ابن عباس لما مر بأقوام حددوا النظر إليه:
نظروا إلي بأعين محمرة.. نظر التيوس إلى شفار الجازر
وبين الله تعالى أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن وهو قوله: {لَمَّا سَمِعُواْ الذكر} الثاني: منهم من حمله على الإصابة بالعين ، وههنا مقامان أحدهما: الإصابة بالعين ، هل لها في الجملة حقيقة أم لا ؟ الثاني: أن بتقدير كونها صحيحة ، فهل الآية ههنا مفسرة بها أم لا ؟ .
المقام الأول: من الناس من أنكر ذلك ، وقال: تأثير الجسم في الجسم لا يعقل إلا بواسطة المماسة ، وههنا لا مماسة ، فامتنع حصول التأثير.