وقوله: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} كلام موجه إلى المشركين وهم المقصود بـ {المجرمين ،} عُبر عنهم بطريق الإِظهار دون ضمير الخطاب لما في وصف {المجرمين} من المقابلة ليكون في الوصفين إيماء إلى سبب نفي المماثلة بين الفريقين.
فلذلك لم يكن ضمير الخطاب في قوله: {ما لكم كيف تحكمون} التفاتاً عن ضمائر الغيبة من قوله: {ودُّوا لو تدهن فيدهنون} [القلم: 9] وقوله {إنا بلوناهم} [القلم: 17] .
وإنما تغير الضمير إلى ضمير الخطاب تبعاً لتغير توجيه الكلام ، لأن شرط الالتفات أن يتغير الضمير في سياق واحد.
و {ما لكم} استفهام إنكاري لحالة حكمهم ، ف {ما لكم} مبتدأ وخبر وقد تقدم في قوله تعالى: {قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله} في سورة البقرة (246) .
وكيف تحكمون استفهام إنكاري ثان في موضع الحال من ضمير {لكم ،} أي انتفى أن يكون لكم شيء في حال حكمكم ، أي فإن ثبت لهم كان منكراً باعتبار حالة حكمهم.
والمعنى: لا تحكمون أنكم مساوون للمسلمين في جزاء الآخرة أو مفضلون عليهم.
أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37)
إضراب انتقال من توبيخ إلى احتجاج على كذبهم.
والاستفهام المقدر مع {أم} إنكار لأن يكون لهم كتاب إنكاراً مبنياً على الفرض وإن كانوا لم يدّعوه.
وحاصل هذا الانتقال والانتقالات الثلاثة بعده وهي {أم لكم أيمان علينا} [القلم: 39] الخ ، {سلهم أيهم بذلك زعيم} [القلم: 40] {أم لهم شركاء} [القلم: 41] الخ أن حكمكم هذا لا يخلو من أن يكون سنده كتاباً سماوياً نزل من لدنا ، وإما أن يكون سنده عَهْداً منا بأنا نعطيكم ما تقترحون ، وإما أن يكون لكم كفيل علينا ، وأما أن يكون تعويلاً على نصر شركائكم.
وتقديم {لكم} على المبتدأ وهو {كِتاب} لأن المبتدأ نكرة وتنكيره مقصود للنوعية فكان تقديم الخبر لازماً.