{مَنْ} في موضع نصب عطف، وإن شئت كان مفعولا معه {الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} في معناه قولان: أحدهما سنمتّعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيرا ويغتروا بما هم فيه من النعمة والسّرور فنأخذهم بغتة كما روى أبو موسى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله عزّ وجلّ ليمهل الظّالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ:
{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ} وقيل: سنستدرجهم من قبورهم إلى النار.
[سورة القلم (68) : آية 45]
{وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) }
{وَأُمْلِي لَهُمْ} بإسكان الياء والأصل ضمها لأنه فعل مستقبل فحذفت الضمة لثقلها. {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} أي قوي شديد.
[سورة القلم (68) : آية 46]
{أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) }
وقراءة نافع بضم الميم الأولى وإسكان الثّانية. قال أبو جعفر: جاء بالأولى على الأصل فاختار هذا لأنها إذا لقيت ألف وصل ضمّت لا غير فأجرى ألف القطع مجراها، وقيل: جاء باللغتين جميعا كما قرأ {مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا} [الشورى: 28] وقرأ: {لَا تَقْنَطُوا} [الزمر: 53] وقل من يحتجّ له من أصحابه أو غيرهم.
[سورة القلم (68) : آية 47]
{أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) }
قال أبو جعفر: وهذه الآية من أشكل ما في السورة وتحصيل معناها فيما قيل والله أعلم: أم عندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه ما يجادلونك به ويدّعون أنهم مع كفرهم بالله جلّ وعزّ وردّهم عليك بعد البراهين خير منك وأنهم على الحقّ.
[سورة القلم (68) : آية 48]
{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) }
{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أي اصبر على أداء الرسالة واحتمل أذاهم ولا تستعجل لهم العذاب {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} في ما عمله من خروجه عن قومه وغمّه بتأخر العذاب عنهم {إِذْ نَادى وَهُوَ مَكْظُومٌ} روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس {وَهُوَ مَكْظُومٌ} قال:
مغموم. قال أبو جعفر: والمكظوم في كلام العرب الذي قد اغتمّ لا يجد من يتفرّج إليه فقد كظم غيظه أي أخفاه.
[سورة القلم (68) : آية 49]
{لَوْلاَ أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) }