وَزَعَمَ مَالِكٌ أَنَّ مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا غَيْرَ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ شَيْءٌ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِيَمِينٍ ، وَقَدْ اقْتَضَى قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك} مِنْ كَوْنِهِ يَمِينًا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إسْقَاطُ مُوجَبِ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ كَوْنِ الْحَرَامِ يَمِينًا بِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ الْعَسَلَ ، إذْ غَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ عَلَى حُكْمِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ؛ وَلِأَنَّ مَنْ رَوَى الْيَمِينَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا عَنَى بِهِ التَّحْرِيمَ وَحْدَهُ ؛ إذْ كَانَ التَّحْرِيمُ يَمِينًا وَيَدُلُّ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ أَنَّ الْمُحَرِّمَ لِلشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ قَدْ اقْتَضَى لَفْظُهُ إيجَابَ الِامْتِنَاعِ مِنْهُ كَالْأَشْيَاءِ الْمُحَرَّمَةِ ، وَذَلِكَ فِي مَعْنَى النَّذْرِ وَقَوْلُ الْقَائِلِ:"لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَفْعَلَ ذَلِكَ"، فَلَمَّا كَانَ النَّذْرُ
يَمِينًا بِالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ الشَّيْءِ بِمَنْزِلَةِ النَّذْرِ فَتَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إذَا حَنِثَ كَمَا تَجِبُ فِي النَّذْرِ.
وقَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ} قَالَ:"عَلِّمُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ الْخَيْرَ"وَقَالَ الْحَسَنُ:"تُعَلِّمُهُمْ وَتَأْمُرُهُمْ وَتَنْهَاهُمْ".