"يا ابن مسعود: أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة ، كلها في النار إلا ثلاث فرق ، فرقة آمنت بعيسى عليه السلام ، وقاتلوا أعداء الله في نصرته حتى قتلوا ، وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال ، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين ، فلبس العباء ، وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً} إلى آخر الآية"
المسألة الخامسة:
لم يعن الله تعالى بابتدعوها طريقة الذم ، بل المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذروها ، ولذلك قال تعالى بعده: {مَا كتبناها عَلَيْهِمْ} .
المسألة السادسة:
{رهبانية} منصوبة بفعل مضمر ، يفسره الظاهر ، تقديره: ابتدعوا رهبانية ابتدعوها ، وقال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حملها على {جَعَلْنَا} ، لأن ما يبتدعونه هم لا يجوز أن يكون مجعولاً لله تعالى ، وأقول: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين ، ومن أين يليق بأبي على أن يخوض في أمثال هذه الأشياء.
ثم قال تعالى: {مَا كتبناها عَلَيْهِمْ} أي لم نفرضها نحن عليهم.
أما قوله: {إِلاَّ ابتغاء رضوان الله} ففيه قولان: أحدهما: أنه استثناء منقطع.
أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله الثاني: أنه استثناء متصل ، والمعنى أنا ما تعبدناهم بها إلا على وجه ابتغاء مرضاة الله تعالى ، والمراد أنها ليست واجبة ، فإن المقصود من فعل الواجب ، دفع العقاب وتحصيل رضا الله ، أما المندوب فليس المقصود من فعله دفع العقاب ، بل المقصود منه ليس إلا تحصيل مرضاة الله تعالى.