وقوله تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} ، معناه أن مآل الإنسان ومصيره المحتوم هو الرجوع إلى الله، أحب أم كره رضي أم سخط، فلا مأوى له في نهاية المطاف إلا في دار النعيم أو في دار الجحيم، وفي هذا تنبيه للإنسان إلى أن يفكر ويقدر منذ بداية رحلته في هذه الحياة، حتى يلاءم سلوكه مع نهايته المحتومة، ويكيف حياته الفانية، بما ينسجم مع حياته الباقية.
وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى} ، إشارة إلى جملة من عجائب صنع الله في خلقه، ولا سيما ما في خلق الإنسان وتكوينه من أسرار ظاهرة وباطنة، لم يصل الإنسان نفسه حتى الآن إلى تحديدها، واستكناه حقيقتها، رغما عن مرور القرون الطويلة على حياته فوق سطح الأرض.
وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} ، إشارة إلى
النجم الذي هو أثقل من الشمس بعشرين مرة، والذي تبلغ قوة نوره خمسين ضعفا من نور الشمس، وقد كان لهذا النجم من يرصده ويعبده من دون الله فبين الحق سبحانه أن"الشعرى"ليست إلا جزءا بسيطا من مخلوقاته، وأنه هو"رب الشعرى"ورب كل النجوم صغيرها وكبيرها، بل رب السماوات والأرض وما بينهما: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} (البقرة: 255) ، والحديث عن"الشعرى"في هذه السورة الكريمة مناسب لاسمها الذي هو"سورة النجم"التي نفسرها، فقد تصدر مطلعها قسم الله العظيم على صدق رسوله، إذ قال: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} .
وقوله تعالى: {هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى} ، إشارة إلى ما سلف من الأخبار عن الأقوام التي هلكت في سالف الزمان كما فسره أبو مالك الغفاري، وقال قتادة ومحمد بن كعب وأبو جعفر: إنه إشارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي افتتحت به هذه السورة في أولها، تأكيدا لأنه عليه السلام ليس بدعا من الرسل، وأنه نذير من بين"النذر"الذين أرسلهم الله إلى خلقه على التتابع، لهدايتهم إلى سواء السبيل.