أي: ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم عما أذن الله - تعالى - له في رؤيته. وما تجاوزه إلى ما لم يؤذن له في رؤيته، بل كان بصره صلى الله عليه وسلم منصبا على ما أبيح له النظر إليه.
فالمقصود من الآية الكريمة، الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم، ووصفه بما هو أهله من أدب وطاعة لخالقه - عز وجل - .
قال ابن كثير: قوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى قال ابن عباس: ما ذهب يمينا ولا شمالا، وما جاوز ما أمر به، وهذه صفة عظيمة في الثبات والطاعة. فإنه ما فعل إلا ما أمر به، ولا سأل فوق ما أعطى، وما أحسن قول القائل:
رأى جنة المأوى وما فوقها ولو ... رأى غيره ما قد رآه لتاها
ثم عظم - سبحانه - من شأن ما أراه لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى.
والكلام جواب لقسم محذوف، والآيات جمع آية، والمراد بها العجائب التي أطلع الله - تعالى - عليها نبيه صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة، وهي ليلة الإسراء والمعراج.
والكبرى: صفة لهذه الآيات، وحذف المرئي: لتفخيم أمره وتعظيمه.
أي: والله لقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة أمورا عظاما لا يحيط بها الوصف، وقد
أكرمناه برؤيتها ليزداد يقينا على يقينه، وثباتا على ثباته، وقوة على قوته في تبليغ رسالتنا، وحمل أمانتنا.
هذا، وقد جرينا في تفسيرنا لهذه الآيات على الرأي الذي سار عليه المحققون من العلماء وهو أن هذه الآيات تحكى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل مرتين، كما سبق أن بينا، وأن الضمائر في تلك الآيات منها ما يرجع إلى جبريل، ومنها ما يرجع إلى الله - عز وجل - .
وقد أعدنا كل ضمير إلى مرجعه الذي نراه مناسبا للمقام ...
فمثلا: الضمير المنصوب في قوله - تعالى -: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى قلنا: إنه يعود إلى جبريل. أي: أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى جبريل على هيئته التي خلقه الله عليها مرة أخرى، غير المرة الأولى التي كانت في أوائل بعثته صلى الله عليه وسلم.
ولكن بعض المفسرين يرون أن مرجع الضمير في هذه الآية وغيرها، يعود إلى الله - تعالى - ، ويستدلون بذلك على أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربه.