وفي بعض الأخبار: إنك لا تقدر أن تراني في صورتي، ولكن انظر إلى الأفق الأعلى. ثم جائز أن يكون ما ذكر من النظر إلى الأفق الأعلى؛ لما أن بصره كان لا يحتمل النظر إليه من قرب، ويحتمل ذلك من البعد، وذلك معروف فيما بين الخلق: أن الشيء إذا كان له شعاع أو نور أو بياض شديد: أن البصر لا يحتمل النظر إليه من القرب في أول ملاقاته، ويحتمل إذا كان يبعد منه؛ وعلى هذا قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى(8) . يحتمل: دنا منه جبريل - عليه الصلاة السلام - شيئًا بعد شيء، وقرب منه كذلك ليحتمله؛ إذ جبل الإنسان على طبيعة يحتمل الأشياء إذا انتهت إليه على التفاريق ما لو أتته بدفعة واحدة في وقت واحد، لما احتملتها الأنفس؛ كالحر يأتي الخلق بعد شدة البرد شيئًا فشيئًا، وكذلك البرد بعد شدة الحر شيئًا فشيئًا حتى يشتد ما لو أتيا بدفعة واحدة إذا كان قريبا منه.
ويحتمل من البعد، ثم يقرب ويدنو قليلًا قليلًا حتى يحتمل من القرب، واللَّه أعلم.
ثم من الناس من يقول: إن قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى) على التقديم والتأخير؛ أي: تدلى قربا؛ لأنه يكون التدلي أولًا ثم الدنو منه.
ومنهم من قال: بل هو على ما قال، وهما سواء - أعني: التدلي والدنو - بمنزلة القرب والدنو، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى(9)
اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: القاب: هو صدر القوس؛ أي: فكان قدر صدر القوس من الوتر مرتين.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: قدر قوسين حقيقة.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: قاب: قدر قوسين عربيين.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: القاب: قدر الطول.
وقيل القوس: الذراع هاهنا؛ أي: كان قدر ما بينهما ذراعين.
قال: والأول أعجب إليَّ؛ لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قال:"لقاب قوس أحدكم - أي: موضع قده - خير من الدنيا وما فيها"والقد: السوط.