فجعل المفعول الثاني لأفرأيتم جملة الاستفهام التي قدرها ، وحذفت لدلالة الكلام السابق عليها ، وعلى تقديره يبقى قوله: {ألكم الذكر وله الأنثى} متعلقاً بما قبله من جهة المعنى ، لا من جهة المعنى الإعراب ، كما قلناه نحن.
ولا يعجبني قول الزجاج: وجه تلفيق هذه الآية مع ما قبلها ، ولو قال: وجه اتصال هذه ، أو وجه انتظام هذه مع ما قبلها ، لكان الجيد في الأدب ، وإن كان يعني هذا المعنى.
وقال ابن عطية: {أفرأيتم} خطاب لقريش ، وهي من رؤية العين ، لأنه أحال على أجرام مرئية ، ولو كانت أرأيت التي هي استفتاء لم تتعد. انتهى.
ويعني بالأجرام: اللات والعزى ومناة ، وأرأيت التي هي استفتاء تقع على الأجرام ، نحو: أرأيت زيداً ما صنع؟ وقوله: ولو كانت أرأيت التي هي استفتاء ، يعني الذي تقول النحاة فيه إنها بمعنى أخبرني ، لم تتعد ؛ والتي هي بمعنى الاستفتاء تتعدى إلى اثنين ، أحدهما منصوب ، والآخر في الغالب جملة استفهامية.
وقد تكرر لنا الكلام في ذلك ، وأوله في سورة الأنعام.
ودل كلام ابن عطية على أنه لم يطالع ما قاله الناس في أرأيت إذا كانت استفتاء على اصطلاحه ، وهي التي بمعنى أخبرني.
والظاهر أن {الثالثة الأخرى} صفتان لمناة ، وهما يفيدان التوكيد.
قيل: ولما كانت مناة هي أعظم هذه الأوثان ، أكدت بهذين الوصفين ، كما تقول: رأيت فلاناً وفلاناً ، ثم تذكر ثالثاً أجل منهما فتقول: وفلاناً الآخر الذي من شأنه.
ولفظة آخر وأخرى يوصف به الثالث من المعدودات ، وذلك نص في الآية ، ومنه قول ربيعة بن مكرم:
ولقد شفعتهما بآخر ثالث ...
انتهى.
وقول ربيعة مخالف للآية ، لأن ثالثاً جاء بعد آخر.
وعلى قول هذا القائل أن مناة هي أعظم هذه الأوثان ، يكون التأكيد لأجل عظمها.