والمعنى: هذا الجزاء الموفور، والنعيم المذكور لمن اشتد خوفه من ربِّه، وعظمت مراقبته لخالقه كأنه يراه أو يخشى ربَّه ويراقبه في خلوته وغيبته عن أعين الناس حياء من الله.
والمعنى في قوله - تعالى: (وجاء بقلب منيب) أنه يداوم ذلك، ويقيم عليه حتى يوافيه أجله فيلقى الله بقلب عاش مقبلا على طاعته، طامعًا في رحمته. مؤمنا بعاقبته وأوبته حتى أتى الله بقلب سليم.
34، 35 - (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ(34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ):
هذا على تقدير القول، أي: يقال لهم: ادخلوها، والمعنى: ادخلوا أيها المتقون الأوابون المنيبون ادخلوا الجنة، واستمتعوا بنعيمها بأمان من كل مكروه، وسلامة من كل آفة، وسلام من الله وملائكته عليكم، ذلك يوم الإقامة الدائمة التي لا ينقطع مداها، ووقت الخلود الذي تعيشون في نعيمه بلا نهاية، ولا يستكثر ذلك على أهل الجنة فلهم كل ذلك، ولهم ما يشاءون من صنوف المطالب، وألوان النعم كائنا ما كان، فعند الله كل ما يشتهون، ولديه الزيادة على ما يستشرفون مما لا يخطر لهم على بال، ولا تدركه مشيئتهم من معالى الكرامات، ومجالى الخيرات مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ومع أَن لهم ما يشتهون في الجنة، فعند الله مزيد عليه مما لا يخطر على بال.
وقال أنس وجابر: المزيد: النظر إلى وجه الله - تعالى - بلا كيف، وقد ورد ذلك في أخبار مرفوعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، منها ما أخرجه الديلمى عن عليٍّ - كرم الله وجهه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله - تعالى: (ولدينا مزيد) قال:"يتجلى لهم الرب - عز وجل -"إلى غير ذلك من الأحاديث.
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)
المفردات:
(بَطْشًا) : قوة وشدة ومنعة.
(نَقَّبُوا) : جالوا في أقطارها، وساروا في نواحيها وطوفوا.
(مَحِيصٍ) : مهرب وملجأ يلجأون إليه.
(أَلْقَى السَّمْعَ) : تنبّه وتيقظ.