ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى...) الآية، جائز أن تكون الآية في اليهود؛ لما ذكرنا أنهم كانوا آمنوا به قبل أن يبعث؛ كقوله: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ...) الآية، ارتدوا على أدبارهم من بعد ما آمنوا به واتبعوه.
وجائز أن تكون في المنافقين، ارتدوا على أدبارهم، وأظهروا الخلاف بعد وفاة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وبعدما أظهروا الموافقة في حياته، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ(26)
قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ) إن كان راجعًا إلى قوله: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ) كان المراد بذلك اليهود - فالمعنى فيه غير المعنى لو كان في المنافقين.
وإن كان قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ) راجعا إلى قوله: (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ) فإذا احتمل ذلك الوجهين، فلا نفسره أنه إلى ماذا يرجع.
ثم قَالَ بَعْضُهُمْ: الذين كرهوا ما نزل اللَّه هم المنافقون، قالوا لليهود: سنطيعكم في تكذيب مُحَمَّد والمظاهرة عليه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم اليهود، ظاهروا سائر الكفرة على مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه رضي الله عنهم.
ثم كراهة نزول ما أنزل اللَّه على رسوله - عليه الصلاة والسلام - كان من اليهود وجميع الكفرة؛ لقوله - تعالى -: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) ، واللَّه أعلم.