والحاصل أن المعرض عن كتاب الله ، وسنة رسوله المفرط في تعلم دينه ، مما أنزل الله ، وما سنه رسوله ، المقدم كلام الناس على كتاب الله ، وسنة رسوله ، لا يكون له ألبتة ما للإمام الذي لم يعرض عن كتاب الله وسنة رسوله ، ولم يقدم عليهما شيئاً ولم يفرط في تعلم الأمر والنهي من الكتاب والسنة.
فأين هذا من هذا؟
سارت مشرقة وسرت مغربا... شتان بين مشرق ومغرب
التنبيه الثاني
اعلم أن الأئمة الأربعة رحمهم الله ، متفقون على منع تقليدهم ، التقليد الأعمى الذي يتعصب له من يدعون أنهم أتباعهم.
ولو كانوا أتباعهم حقاً لما خالفوهم في تقليدهم الذي منعوا منه ونهوا عنه.
قال الإمام أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه:
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد القاضي المالكي ، قال حدثنا موسى بن إسحاق ، قال حدثنا إبراهيم بن المنذر ، قال حدثنا معن بن عيسى ، قال سمعت مالك بن أنس يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب ، فانظروا في رأيي ، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به ، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.
فمالك رحمه الله مع علمه وجلالته وفضله يعترف بالخطأ وينهى عن القول بما خالف الوحي من رأيه.
فمن كان مالكياً فليمتثل قول مالك ولا يخالفه بلا مستند.
وقال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في جامعه أيضاً:
أخبرني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي حدثني أبي حدثنا محمد بن عمر بن لبابة قال: حدثنا مالك بن علي القرشي ، قال أنبأنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال:
دخلت على مالك فوجدته باكياً فسلمت عيله فرد علي ثم سكت عني يبكي ، فقلت له:
يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال لي يا ابن قعنب إنا لله على ما فرط مني ، ليتني جلدت بكل كلمة تكلمت بها في هذا الأمر بسوط ، ولم يكن فرط مني ما فرط من هذا الرأي ، وهذه المسأئل قد كانت لي سعة فيما سبقت إليه. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.