اعلم أن المقلدين ، اغتروا بقضتين ظنوهما صادقتين ، وهما بعيدتان من الصدق ، وظن صدقهما يدخل أولياً في عموم قوله تعالى {إَنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً} [يونس: 36] وقوله صلى الله عليه وسلم:"أياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث"
أما الأولى منهما فهي ظنهم ، أن الإمام الذي قلدوه لا بد أن يكون قد اطعل على جميع معاني كتاب الله ، ولم يفته منها شيء وعلى جميع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفته منها شيء.
ولذلك فإن كل آية وكل حديث قد خالفا قوله فلا شك عندهم أن ذلك الإمام اطلع على تلك الية وعلم معناها ، وعلى ذلك الحديث وعلم معناه.
وأنه ما ترك العمل بهما غلا لأنه اطلع على ما هو أقوى منهما وأرجح.
ولذلك يجب تقديم ذلك الأرجح الذي تخيلوه شيء من الوحي الموجود بين أيديهم.
وهذا الظن كذب باطل بلا شك.
والأئمة كلهم معترفون بأنهم ما أحاطوا بجميع نصوص الوحي ، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله.
ومن أًرح ذلك أن الإمام مالكاً رحمه الله ، إمام دار الهجرة المجمع على علمه وفضله وجلالته ، لما أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس على العمل بما جمعه في موطئه لم يقبل ذلك من أبي جعفر ورده عليه.
وأخره أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في أقطار الدنيا ، كلهم عنده علم ليس عند الآخرة.
ولم يجمع لاحديث جمعاً تاماً بحيث أمكن جمع جميع السنة إلا بعد الأئمة الأربعة.
لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تفرقوا في أقطار الدنيا روي عنهم كثير من الأحاديث لم يكن عند غيرهم ، ولم يتيسر الاطلاع عليه إلا بعد أزمان.
فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو عجز عن أن يفهم معنى الكلالة حتى مات رضي الله عنه.
وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً فبينها له ولم يفهم.