وقد كان الناس من قبل يتوارثون بالموالاة والمعاقدة، فلما فسخ الله تعالى ذلك وأبطله قال: {وَأْوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} .
فنهاهم على أن المال إذا خرج من ملك الميت، فقد تخلف عنه من هو كالشقيق، أو من أبيه، أو من أمه فهو أولى بأن ينزل من ماله ميراثه من الخليف.
والولي الذي لم يكن بينه وبينه إلا الحقد قد ماتت مقاصده لموته، ولم يكن لازماً له في حياته.
ولما أدخل في حكم الميراث من ليس بقريب وهو المعتق نسبه النبي - صلى الله عليه وسلّم - ألحق الواجب من قبل العتاقة بالنسب، فقال: لولا لحمه كلحمة النسب، وسماه ما لا يدل به على أن المعتق أولى الناس بالمعتق، كما أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض.
فثبت بما ذكرنا أن سبيل أولي الأرحام أن يكونوا آمنوا لينين متناصرين ليعزهم الله تعالى بإعزاز بعضهم بعضاً، وذلك عاجل ثوابهم فلا يتخاذلون فيخذلهم لخذلان بعضهم بعضاً وذلك عاجل عقابهم.
ألا ترون أن نبي الرحمة مع لينه وسماحته ورأفته بالقريب والبعيد من أمته كيف اشتد عليه فراق بني أمية وبني نوفل إياه أيام الشعب، وانحيازهم إلى أعدائه من قريش حتى أخرجهم بالأجانب، وأحوجهم من عداد الأقارب، وخص بالخمس بني هاشم وبني المطلب.
وقال: «إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام» .
ولا شك أنه لم يفعل ذلك إلا بأمر الله - عز وجل - وأن الله - عز وجل - لم يأمره بذلك إلا ابتغاء ماله منهم، ولا أمره بضم بني المطلب إلى بني هاشم إلا قواماً لهم وقضى عنهم حقهم.
فعلم بهذا أن سنة أولي الأرحام أن يتواصلوا ويجري كل واحد منهم قريبه وحميمه منزلة نفسه والله أعلم.
وليس يحتاج إلى الإكثار في هذا الباب مع ما كتبناه في إكرام الجار، لأن قرب ذي الرحم أمس وأخص وألزم من الجوار.
فإذا وجب للجار على الجار من الحقوق ما سبق ذكرها، فأولى أن تكون تلك وغيرها لازمة للقرب القريب.
فينبغي إذا كان في أهل بيت شيخ أو عالم أو مشار إليه بالعقل والدين، أن يعرف الجماعة حقه بالتوقير والزيارة والرجوع إلى رأيه، والقبول لخطابه ونصائحه، وابتدائه بالسلام إذا لقوه، لأنه يروى في الحديث مرفوعاً (الشيخ في قريبه كالنبي في أمته) ، وأن يواسوه بالمال إن كان أرق حالاً منهم، ويصوبوا قدره في المبذل، وإتيان ما يزوى به.
وإن كان في أهل البيت محاويج وأغنياء، فلا ينبغي للأغنياء أن يضيعوا المحاويج.