ومعنى الحديثين جميعاً: أن من الناس من قضى الله له بأنه أن يوصل رحمه عاش عدداً من السنين مبيناً، وإن قطع رحمه عاش عدداً دون ذلك، فإذا أظهر أمره لملائكته أمر ملك الموت أن تقبض روحه عند انتهاء أول العددين، فإذا دنا ذلك يتفق له أن يبر رحمه ويصلها، فيأمر الله تعالى أن يؤخره إلى الأجلين.
فنهى ملك الموت إلى أن يقبض روحه، فيقال قد زاد في عمره أو يكون عند ملك الموت أن عمر واحد لا ينتهي إلى سنين فيتفق منه أن يقطع رزقه، فيأمر الله تعالى الملك أن يقبض روحه، فيقال: قد نقص من عمره.
والمعنى أنه زاد على ما كان عند الملك ونقص ما كان عند الملك.
فأما ما كان عند الله من أنه عمر بعمره وينفيه في الدنيا وفي أي وقت يقله عنها فلم يختلف، وهو إن كان قضى عليه بأنه وإن وصل رحمه عاش كذا، وإن قطع رحمه عاش كذا، فلم يخفى عليه أن يصل أو يقطع فكذلك لا يخفى عليه أنه أي العددين يعيش، وبالله التوفيق.
ولما بين عظم حق القرابة والرحم، أن الله - عز وجل - ورث القرابات بعضهم من بعض فجعل مال الواحد إذا مات فاستغنى عنه للأمس والأمس، وللأخص فالأخص بذي قرابته، فجمع ذلك أيضاً أحق كل واحد منهما بالآخر.
أما الميت فمن حيث إن ماله لم ينقل إلى الأجانب، فيزداد غماً إذا تفكر عند دنو أجله، إنه يفارق ماله إلى من لا يرعى حقه فيه.
ولا يذكره إذا انتفع به، وتقلب فيه بدعاء ولا غيره، وسيد الأمر عليه في مفارقته.
وأما الحي فمن حيث إنه يسكن عنه غير حميمه الذي فقده، بأن استخلف في ماله وأوثر به على الأجانب الذين ليس لهم مثل حقه، ولولا ذلك غمه بموت قريبه أكثر، ومصيبته به أشد.
ويشتمل التوريث على النظر لهما جميعاً، وأبان أن أحدهما إذا كان أولى من الآخر بعد الموت فهما بأن يكونا كذلك في حال أولى ليتعاشرا كمتواليين لا تعاشر الأصلين، وبالله التوفيق.
ولأجل دلالة التوريث على عظم الحق المراعى فيه، قال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت - أو قال خشيت - أنه سيورثه» .
فدل هذا القول منه على أنه يورث القرابات بعضهم من بعض إنما كان لعظم الحقوق التي لبعضهم على بعض.
إذا كان لما سمع جبريل يعظم في قلبه حق الجار، خشي أنه يبلغ به حق القرابة فيورث به وبالله التوفيق.