والثاني والثالث فيهما قولان، والراجح في قوله: {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} أن يكون كالأول، وهو قول عامة السلف.
والثالث فيه قولان محتملان. وقد ذكر توجيههما.
والله أعلم والمقصود ذكر مراتب القضاء والقدر علما وكتابة ومشيئة وخلقا.
(فصل)
وإذا تأملت حال عشاق الصور المتيمين فيها، وجدت هذه الآية منطبقة عليهم، مخبرة عن حالهم.
قال بعض العلماء: ليس شيء من المحبوبات يستوعب محبة القلب إلا محبة الله، أو محبة بشر مثلك، أما محبة الله فهي التي خلق لها العباد، وبها غاية سعادتهم، وكمال نعيمهم وأما البشر المماثل من ذكر أو أنثى، فإن فيه من المشاكلة والمناسبة بين العاشق وبينه ما ليس مثله وبين جنس آخر من المخلوقات. ولهذا لا يعرف في محبة شيء من المحبوبات المخالفة للمحب في الجنس ما يزيل العقل، ويفسد الإدراك، ويوجب انقطاع الإرادة لغير ذلك المحبوب، وإنما يعرف ذلك في محبته لجنسه، فتستوعب قلبه، وتسلب لبه، ويصير لمعشوقه سامعاً مطيعاً كما قيل:
إنَّ هَوَاكَ الَّذِي بِقَلبي ... صَيَّرَنِي سَامِعاً مُطِيعَا
ويقوى هذا السمع والطاعة عند كثير من العشاق، حتى يبذل نفسه، ويسلمها للتلف في طاعة معشوقه، كما يبذل المجاهد نفسه لربه، حتى يقتل في سبيله، وإذا كان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قد قال في الحديث الذي رواه أحمد وغيره:
"شَارِبُ الْخَمرِ - أو قَال مُدْمِنُ الْخَمْرِ - كَعَابِدِ وَثَنٍ".
ومر على بن طالب رضي الله عنه بقوم يلعبون بالشطرنج فقال"ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟".
فما الظن بالعاشق المتيم الفاني في معشوقه؟
ولهذا قرن الله سبحانه بين الخمر والأنصاب وهي الأصنام التي تعبد من دون الله، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَما الْخَمَرُ وَالمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيطاًنِ فَاجْتَنبِوُهُ لَعَلّكُمْ تَفْلِحُونَ * إنمَا يُرِيدُ الشّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَّدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتهُونَ} [المائدة: 90 - 91] .
ومعلوم أن شارب الخمر لا يدوم سكره، بل لا بد أن يفيق، ولعل أوقات إفاقته أكثر من أوقات سكره.
وأما سكرة العشق فقل أن يستفيق صاحبها إلا إذا جاءت الرسل تطلبه للقدوم على الله تعالى. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...