{كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوماً آخرين. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين} .
{ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين. من فرعون إنه كان عالياً من المسرفين. ولقد اخترناهم على علم على العالمين. وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين} ..
هذه الجولة تبدأ بلمسة قوية لإيقاظ قلوبهم إلى أن إرسال الرسول لقومه قد يكون فتنة وابتلاء. والإملاء للمكذبين فترة من الزمان ، وهم يستكبرون على الله ، ويؤذون رسول الله والمؤمنين معه قد يكون كذلك فتنة وابتلاء. وأن إغضاب الرسول واستنفاد حلمه على أذاهم ورجائه في هدايتهم قد يكون وراءه الأخذ الأليم والبطش الشديد:
{ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون} ..
وابتليناهم بالنعمة والسلطان ، والتمكين في الأرض ، والإملاء في الرخاء ، وأسباب الثراء والاستعلاء.
{وجاءهم رسول كريم} ..
وكان هذا طرفاً من الابتلاء ، ينكشف به نوع استجابتهم للرسول الكريم ، الذي لا يطلب منهم شيئاً لنفسه ؛ إنما يدعوهم إلى الله ، ويطلب إليهم أن يؤدوا كل شيء لله ، وألا يستبقوا شيئاً لا يؤدونه من ذوات أنفسهم يضنون به على الله:
{أن أدوا إليّ عباد الله إني لكم رسول أمين. وألا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين. وإني عذب بربي وربكم أن ترجمون. وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} ..
إنها كلمات قصيرة تلك التي جاءهم بها رسولهم الكريم موسى عليه السلام:
إنه يطلب إليهم الاستجابة الكلية. والأداء الكامل. والاستسلام المطلق. الاستسلام المطلق لله. الذي هم عباده. وما ينبغي للعباد أن يعلوا على الله. فهي دعوة الله يحملها إليهم الرسول ، ومعه البرهان على أنه رسول الله إليهم. البرهان القوي والسلطان المبين ، الذي تذعن له القلوب. وهو يتحصن بربه ويعوذ به أن يسطوا عليه وأن يرجموه.