يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ الَّتِي جَعَلَ ثَمَرَتَهَا طَعَامَ الْكَافِرِ فِي جَهَنَّمَ، كَالرَّصَاصِ أَوِ الْفِضَّةِ، أَوْ مَا يُذَابُ فِي النَّارِ إِذَا أُذِيبَ بِهَا، فَتَنَاهَتْ حَرَارَتُهُ، وَشَدَّتْ حِمْيَتُهُ فِي شِدَّةِ السَّوَادِ
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْمُهِلِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ الشَّوَاهِدِ، وَذِكْرَ اخْتِلَافِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّا نَذْكُرُ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا لَمْ نَذْكُرْهُ هُنَاكَ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: {كَالْمُهْلِ} «مَاءٌ غَلِيظٌ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ»
عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ، سُئِلَ عَنِ الْمُهِلِ الَّذِي، يَقُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَرَابُ أَهْلِ النَّارِ، وَهُوَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ قَالَ: فَدَعَا بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فَأَذَابَهُمَا، فَقَالَ: «هَذَا أَشْبَهُ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا بِالْمُهْلِ الَّذِي هُوَ لَوْنُ السَّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَشَرَابُ أَهْلِ النَّارِ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ أَشَدُّ حَرًّا مِنْ هَذَا»
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: {بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} «كَعَكَرِ الزَّيْتِ، فَإِذَا قَرَّبَهُ إِلَى وَجْهِهِ، سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ»
وَقَوْلُهُ: {فِي الْبُطُونِ}
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ (تَغْلِي) بِالتَّاءِ، بِمَعْنَى أَنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ تَغْلِي فِي بُطُونِهِمْ، فَأَنَّثُوا تَغْلِي لِتَأْنِيثِ الشَّجَرَةِ وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ {يَغْلِي} بِمَعْنَى: طَعَامُ الْأَثِيمِ يَغْلِي، أَوِ الْمُهْلُ يَغْلِي، فَذَكَّرَهُ بَعْضُهُمْ لِتَذْكِيرِ الطَّعَامِ، وَوَجَّهَ مَعْنَاهُ إِلَى أَنَّ الطَّعَامَ هُوَ الَّذِي يَغْلِي فِي بُطُونِهِمْ وَبَعْضُهُمْ لِتَذْكِيرِ الْمُهْلِ، وَوَجَّهَهُ إِلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُهْلِ الَّذِي يَغْلِي.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ. {كَغَلْيِ الْحَمِيمِ}