يَقُولُ: يَغْلِي ذَلِكَ فِي بُطُونِ هَؤُلَاءِ الْأَشْقِيَاءِ كَغَلْيِ الْمَاءِ الْمَحْمُومِ، وَهُوَ الْمُسَخَّنُ الَّذِي قَدْ أُوقِدَ عَلَيْهِ حَتَّى تَنَاهَتْ شِدَّةُ حَرِّهِ.
وَقِيلَ: حَمِيمٌ وَهُوَ مَحْمُومٌ، لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ مِنْ مَفْعُولٍ إِلَى فَعِيلٍ، كَمَا يُقَالُ: قَتِيلٌ مِنْ مَقْتُولٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {خُذُوهُ}
يَعْنِي هَذَا الْأَثِيمَ بِرَبِّهِ، الَّذِي أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ لَهُ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامٌ {فَاعْتِلُوهُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَادْفَعُوهُ وَسُوقُوهُ، يُقَالُ مِنْهُ: عَتَلَهُ يَعْتِلُهُ عَتْلًا: إِذَا سَاقَهُ بِالدَّفْعِ وَالْجَذْبِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
لَيْسَ الْكِرَامُ بِنَاحِلِيكَ أَبَاهُمُ ... حَتَّى تُرَدَّ إِلَى عَطِيَّةَ تُعْتِلُ
أَيْ تُسَاقَ دَفْعًا وَسَحْبًا
وَقَوْلُهُ: {إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ} إِلَى وَسَطِ الْجَحِيمِ وَمَعْنَى الْكَلَامِ: يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: خُذُوا هَذَا الْأَثِيمَ فَسُوقُوهُ دَفْعًا فِي ظَهْرِهِ، وَسَحْبًا إِلَى وَسَطِ النَّارِ
وَفِي قَوْلِهِ: {فَاعْتِلُوهُ} لُغَتَانِ: كَسْرُ التَّاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ بَعْضِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضِ أَهْلِ مَكَّةَ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي الْعَرَبِ، يُقَالُ مِنْهُ: عَتَلَ يَعْتِلُ وَيَعْتُلُ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.
وَقَوْلُهُ: {ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ صُبُّوا عَلَى رَأْسِ هَذَا الْأَثِيمِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ، يَعْنِي: مِنَ الْمَاءِ الْمُسَخَّنِ الَّذِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ}
وَقَدْ بَيَّنْتُ صِفَتَهُ هُنَالِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50) }