قال جماعة من العلماء ، والدليل على أنهم قصدوا الجدل بشيء يعلمون في أنفسهم أنه باطل ، أن الآية التي تذرعوا بها إلى الجدل ، لا تدل البتة ، على ما زعموه ، وهم أهل اللسان ، ولا تخفى عليهم معاني الكلمات.
والآية المذكورة إنما عبر الله فيها بلفظة"ما"التي هي في الموضع العربي لغير العقلاء لأنه قال {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} [الأنبياء: 98] لم يقل (ومن) تعبدون وذلك صريح في أن المراد الأصنام ، وأنه لا يتناول عيسى ولا عزيراً ولا الملائكة ، كما أوضح تعالى أنه لم يرد ذلك بقوله تعالى بعده: {إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى} [الأنبياء: 101] الآية.
وإذا كانوا يعلمون من لغتهم أن الآية الكريمة ، لم تتناول عيسى بمقتضى لسانهم العربي ، الذي نزل به القرآن ، تحققنا أنهم ما ضربوا عيسى مثلاً ، إلا لأجل الجدل ، والخصومة بالباطل.
ووجه التعبير في صيغة الجمع في قوله {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ} مع أن ضارب المثل واحد وهو ابن الزبعري يرجع إلى أمرين:
أحدهما: أن من أساليب اللغة العربية إسناد فعل الرجل الواحد من القبيلة إلى جميع القبيلة ، ومن أصرح الشواهد العربية في ذلك قوله:
فسيف بني عبس وقد ضربوا به... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
فإنه نسب الضرب إلى جميع بني عبس مع تصريحه بأن السيف في يد رجل واحد منهم ، وهو ورقاء بن زهير ، والشاعر يشير بذلك إلى قتل خالد بن جعفر الكلابي لزهير بن جذيمة العبسي ، وأن ورقاء بن زهير ، ضرب بسيف بني عبس ، رأس خالد بن جعفر الكلابي ، الذي قتل أباه ونبا عنه ، أي لم يؤثر في رأسه ، فإن معنى: نبا السيف ارتفع عن الضريبة ولم يقطع.
والشاعر يهجو بني عبس بذلك.
والحروب التي نشأت عن هذه القصة ، وقتل الحارث بن ظالم المري لخالد المذكور ، كل ذلك معروف في محله.