والتقدير: أي ألم يشاهد هؤلاء المكذبون بالبعث بعد الموت والنشر بعد الفساد، ولم يروا أنا نسوق بقدرتنا السحاب الحامل للماء إلى الأرض اليابسة، التي لا نبات فيها، فننزل بها مطرًا، فنخرج به زرعًا أخضر، تأكل منه ماشيتهم، وتتغدى به أجسامهم، فيعيشون به؛ أي: قد علموا ذلك، وشاهدوه، فلا عذر لهم في تكذيبهم البعث بعد الموت.
و {الهمزة} : في قوله: {أَفَلَا يُبْصِرُونَ} للتوبيخ داخلة على محذوف،
و {الفاء} : عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا ينظرون ذلك بأعينهم، وعموا عنه فلا يبصرون هذه النعم، ويشكرون المنعم، ويوحدونه، لكونه المنفرد بإيجاد ذلك، فيعلموا أن القدرة التي بها فعلنا ذلك لا يتعذر عليها أن تحيى الأموات وتنشرهم من قبورهم، وتعيدهم بهيئتهم التي كانوا عليها قبل موتهم.
والمعنى: ألا ينظرون فلا يبصرون ذلك، فيستدلون به على وحدته وكمال قدرته وفضله تعالى، وأنه الحقيق بالعبادة، وأن لا يشرك به بعض خلقه، من ملك إنسان، فضلًا عن جماد لا يضر ولا ينفع، وأيضًا فيعلمون أنا نقدر على إعادتهم وإحيائهم.
وقرئ: {الجرز} بسكون الراء، قوله: {فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا} وخص الزرع بالذكر، وإن كان يخرج الله به أنواعًا كثيرة من الفواكه والبقول والعشب المنتفع به في الطب وغيره تشريفًا للزرع، ولأنه أعظم ما يقصد من النبات، وأوقع الزرع موقع النبات.
قوله تعالى: {أَنْعَامُهُمْ} قدمت الأنعام في الذكر؛ لأن ما ينبت يأكله الأنعام أول فأول، من قبل أن يأكل بنو آدم الحب، ألا ترى أن القصيل، وهو شعير يزرع، تأكله الأنعام قبل أن يسبل، والبرسيم والفصفصة وأمثال ذلك تبادره الأنعام بالأكل منه قبل أن يأكل بنو آدم حب الزرع، أو لأنه غذاء الدواب، والإنسان قد يتغذى بغيره من حيوان وغيره، أو بدأ بالأدنى ثم ترقى إلى الأشرف وهم بنو آدم.
وقرأ أبو حيوة وأبو بكر في رواية: {يأكل} بالياء من أسفل، وقرأ الجمهور: {يُبْصِرُونَ} بياء الغيبة، وابن مسعود: بتاء الخطاب، وجاءت الفاصلة {أَفَلَا يُبْصِرُونَ} لأن ما سبق مرئي، وفي الآية قبله مسموع، فناسب {أَفَلَا يَسْمَعُونَ} .