وقد تعرّضت السورة لموضوع الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر. ففصّلت في كل موضوع نوع تفصيل اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ... ، قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ ... ، تَنْزِيلُ الْكِتابِ ... ، لِتُنْذِرَ قَوْماً ... ، وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ ... ، وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ....
وكنّا ذكرنا أنّ مقدّمة سورة البقرة تحدّثت عن المتقين والكافرين والمنافقين، وأنّ السور الأربع إذ تفصّل في صفات المتقين، فإنّها تفصّل كذلك فيما قابل ذلك من صفات الكافرين.
ومن ثم نجد في سورة السجدة كلاما كثيرا عن الكافرين:
عن ادعائهم أن القرآن مفترى، وعن كفرهم باليوم الآخر، وعن فسوقهم، وعن العذاب العظيم المعدّ لهم، وعن غير ذلك مما يذكّرنا بقوله تعالى في أول سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (البقرة: 6، 7) .
خذ مثلا قوله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أَفَلا يَسْمَعُونَ أَفَلا يُبْصِرُونَ.
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ.
وبهذا نعرف كيف أن سورة السجدة فصّلت في مقدمة سورة البقرة كلها، وبهذا نعرف كذلك أن هذه الزمرة المؤلفة من السور الأربع قد فصّلت في مقدمة سورة البقرة كلها، كل منها قد فصّلت وكمّلت غيرها؛ بحيث اتضح كثير من مضامين هذه المقدمة.
وكما جاء بعد مقدمة سورة البقرة قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة: 21) لتدل على طريق التحقق بالمعاني التي تضمنتها المقدمة، فإنّه بعد السور الأربع تأتي سورة الأحزاب مبدوءة بقوله تعالى: