يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً لتدل على الطريق العملي للتحقق، لاحظ أن في الآية الأولى من سورة الأحزاب قوله تعالى:
وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ والكفر والنفاق هما أحد المواضيع الثلاثة التي تحدثت عنها مقدمة سورة البقرة، وتحدثت عنها السور الأربع، إلا أنّ النّفاق لم يتحدث عنه إلا في سورة العنكبوت؛ لأنّ النّفاق هو الكفر القلبي، مع التظاهر بغيره، فمرجعه إلى الكفر. وقد آن الأوان لنسجّل ملاحظة:
رأينا أن سورة البقرة سارت ضمن سياق محدّد:
تحدّثت عن المتقين والكافرين والمنافقين.
دعت الناس جميعا لسلوك الطريق المؤدي إلى التقوى.
بيّنت الأخلاق التي تحول دون التقوى.
أنكرت على من يكفر، ذكرت ظاهرة العناية. وهكذا ... وكل موضوع من مواضيعها مرتبط بما قبله وما بعده.
ثم جاء بعد سورة البقرة تتمّة القسم الأول من أقسام القرآن - وهو قسم الطوال - ففصّل على نفس النسق.
فصّلت سورة آل عمران في المقدمة.
جاءت سورة النساء لتدل على الطريق.
جاءت سورة المائدة لتبعد عن الخطأ.
جاءت سورة الأنعام لتنفي الكفر، وتقيم الحجة بظاهرة العناية.
وهكذا على نفس الوتيرة الموجودة في سورة البقرة، وهكذا قل في كل قسم من أقسام القرآن.
ومن ثمّ تجد في هذا القسم زمرة الم تقابل مقدمة سورة البقرة. وسورة الأحزاب تقابل: يا أَيُّهَا النَّاسُ .... كما سنرى. فزمرة الم هنا تذكر الصفات والخصائص، وتأتي سورة الأحزاب لتدلّ على طريق التحقق بالصفات والخصائص، ولكن بما يكمّل ما قبله. فمثلا مقدمة سورة البقرة فصّلتها من قبل سورة آل عمران، وسورة يونس، وسورة الحجر، وسورة طه، وسورة الأنبياء. ثم سور زمرة (الم) من هذا القسم. فالزمرة هذه إذن مسبوقة بتفصيل، ومن ثمّ فإنها تفصّل بمعان جديدة زائدة.