وأما الوجوه العقلية فمنها أن الأمور أربعة أقسام: قسم يرضاه العقل دون الشهوة كمكاره الدنيا ، وقسم عكس ذلك كالمعاصي ، وقسم ترضاه الشهوة والعقل وهو العلم والجنة ، وقسم لا ترضاه الشهوة والعقل وهو الجهل والنار . فمن رضي بالجهل فقد رضي بنار حاضرة ، ومن اشتغل بالعلم فقد خاض فِي جنة حاضرة ، وكما يعيش يموت وكما يموت يبعث . ومنها أن اللذة إدراك المحبوب ، وكلما كان المدرك أكمل وأشرف كانت اللذة أكمل وأتم . ومدرك العقل هو الله تعالى وجميع مخلوقاته من الملائكة والأفلاك والعناصر والمواليد وجميع أحكامه وأوامره وأي معلوم أشرف من ذلك؟ فلا كمال ولا لذة فوق كمال العلم ولذته ، ولا ألم ولا نقصان مثل ألم الجهل ونقصانه ، ولهذا قال عز من قائل {اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . إقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم} [العلق: 1 - 5] كأنه قال: كنت فِي أول حالك علقة هي الغاية فِي الخساسة ، ثم صرت فِي آخر حالك فِي غاية الشرف . وأيضاً ترتب الحكم على الوصف مشعر بالعلية ، وهذا يدل على أنه إنما يستحق الأكرمية لأنه أعطى العلم ، فالعلم أشرف عطية وأعظم موهبة . ومنها أنه تعالى قال {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] فالعلماء من أهل الخشية ، وأهل الخشية أهل الجنة لقوله تعالى {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن} إلى قوله {ذلك لمن خشي ربه} [البينة: 8] فالعلماء من أهل الجنة بل ليس أهل الجنة إلا العلماء وذلك لكلمة إنما المفيدة للحصر ولا جل لام الاختصاص فِي قوله {لمن خشي} والسبب فِي أن العلماء هم أهل الخشية ، أن من لم يكن عالماً بالشيء استحال أن يكون خائفاً منه . ثم إن العلم بالذات لا يكفي فِي الخوف بل لا بد معه من العلم بأمور ثلاثة: أحدها العلم بالقدرة لأن الملك عالم باطلاع رعيته على أفعاله القبيحة لكنه لا يخافهم لعلمه بأنهم لا يقدرون على دفعه ، وثانيها العلم بكونه عالماً