ولفضيلة العقل الوافر كان كثير ممن كانوا يعاندون النبي - صلى الله عليه وسلم - قصدوه ليقتلوه فما هو إلا أن وقع طرفهم عليه فتراءى لهم نور الله تعالى معربا عنه، فألقى فِي قلوبهم منه روعة، فهابوه، فمن مذعن له طائعا، وخبيث لا ينكره بعد إلا جاحدا، ولهذا المعنى
قال الشاعر:
لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بداهته تغنيك عن خبره
وقد تقدم أن الإنسان لم يتميز عن الحيوان والبهائم إلا بالعقل، ولم يشرف
إلا بالعلم، ومن شرف العلم أن كل حياة انفكت منه فهي غير معتد بها، بل
ليست فِي حكم الموجودة، فإن الحياة الحيوانية لا تحصل ما لم يقارنها الإحساس فيلتذ بما يوافقه ويطلبه، ويتألم بما يخالفه فيهرب منه، وذلك أخس المعارف فمقتضى الحياة الإنسانية أنها إذا تعرت من المعارف المختصة بها أن لا يعتد بها، ولهذا سمى الله تعالى الجاهل ميتا فِي غير موضع من كتابه فقال: (أومن كان ميتا فأحييناه)
ولأجل أن الحياة تقارن العلم سمى الله تعالى العلم
روحا فِي قوله: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) .
وقد ذكرنا أن حاجة الإنسان إلى العلم أكثر من حاجته إلى المال، لأن العلم نافع لا محالة ونفعه دائم فِي الدنيا والآخرة، والمال قد ينفع وقد يضر، وإذا نفع فنفعه منقطع، فمن استفاد علما ثم ضيعه أو تمكن من استفادته فأهمله فقد خسر خسرانا مبينا، كما قال تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين(175) ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176) .
الفرق بين العلم والعقل وبين العلم والمعرفة والدراية والحكمة
العلم: إدراك الشيء بحقيقته، وهو ضربان:
أحدهما: حصول صور المعلومات فِي النفس.