والتاني: حكم النفس على الشيء بوجود شيء له هو موجود، أو نفي شيء عنه هو غير موجود له. نحو الحكم على زيد بأنه خارج أو ليس طائرا، فالأول: هو الذي قد يسمى فِي الشرع وفي كلام الحكماء العقل المستفاد، وفي النحو المعرفة ويتعدى إلى مفعول، والثاني: هو الذي يسمى العلم دون العقل، ويتعدى إلى مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما من حيث إن القصد إذا قيل: علمت زيدا منطلقا إثبات العلم بانطلاق زيد دون العلم بزيد.
واعلم أن العقل والعلم بقياس أحدهما إلى الآخر على ثلاثة أوجه:
أحدها: عقل ليس بعلم وهو العقل الغريزي.
والثاني: علم ليس بعقل وهو المتعدي إلى المفعولين.
والثالث: عقل هو علم وعلم هو عقل، وهو العقل المستفاد والعلم الذي يقال له: المعرفة، ولا يصح أن يتعدى العقل إلى مفعولين فيقال: عقلت زيدا منطلقا كما يقال فِي"علمت"لكون العقل موضوعا للعلم البسيط دون المركب، وسمي عقلا من حيث إنه مانع لصاحبه أن تقع أفعاله على غير نظام، وسمي علما من حيث إنه
علامة على الشيء وهذا إذا اعتبر حقيقته مما يتبين به شرف اللغة العربية.
وأما الفرق بين العلم البسيط - أعني المتعدي إلى مفعول واحد - وبين المعرفة، فهو أن المعرفة قد تقال فيما تدرك آثاره وإن لم تدرك ذاته، والعلم لا يكاد يقال إلا فيما يدرك ذاته، ولهذا يقال: فلان يعرف الله، ولا يقال: يعلم الله، لما كانت معرفته تعالى ليست إلا بمعرفة آثاره دون معرفة ذاته، وأيضا فالمعرفة تقال فيما لا يعرف إلا كونه موجودا فقط، والعلم أصله أن يقال فيما يعلم وجوده، وجنسه وكيفيته وعلته، ولهذا يقال:
الله تعالى عالم بكذا ولا يقال: عارف به، لما كان العرفان يستعمل فِي العلم القاصر.
وأيضا: فالمعرفة تقال فيما يتوصل إليه بتفكر وتدبر، والعلم قد يقال فِي ذلك وفي غيره ويضاد العرفان والإنكار، والعلم والجهل.