ولما كان فقدان البصيرة أشنع من فقدان البصر - لأن بارتفاع البصيرة ارتفاع النفع بالبصر - قال تعالى: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور(46)
فذمهم بفقدان البصيرة تنبيها أن فقدانها اختياري، إذ هو بتركهم
استفادة العلم، وأن أكثر فقدان البصر ضروري، وقال تعالى: (الذين كانت أعينهم فِي غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا(101)
فلولا أن العين أريد بها البصيرة لما قال: (عن ذكري) "لأن الذكر لا يدرك بحاسة العين."
وقال ابن عباس - رضي الله عنها - لمن عيره بفقدان البصر:"إنا نصاب فِي أبصارنا وأنتم تصابون فِي بصائركم"
وكيف لا يكون فقدان البصيرة أعظم ضررا من فقدان البصر، وقد تقدم
أن البدن بمنزلة فرس والنفس بمنزلة راكبه، وضرر عمى الراكب نفسه أشد عليه من ضرر عمى فرسه.
المكتسب من العقل الدنيوي والأخروي
العقل المكتسب ضربان:
أحدهما: التجارب الدنيوية والمعارف الكسبية.
والثاني: العلوم الأخروية والمعارف الإلهية.
وطريقهما متنافيان، وقد ضرب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - لذلك ثلاثة أمثلة فقال:"إن مثل الدنيا والآخرة ككفتي الميزان لا ترجح إحداهما إلا بنقصان الأخرى، وكالمشرق والمغرب كل من قرب من أحدهما بعد عن الآخر، وكالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى"، ولذلك نرى أقواما أكياسا فِي تدبير الدنيا وسياستها بلهاء فِي تدبير أمور الآخرة، وقوما بلهاء فِي أمور الدنيا أكياسا فِي أمور الآخرة،
حتى قال عليه الصلاة والسلام:"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت".
وقال لمن نسب بعض الصالحين إلى بعض البله:"أكثر أهل الجنة البله".
ولاختلاف طريقهما قال الحسن - رحمه الله -:"لقد أدركنا أقواما لو رأيتموهم لقلتم: مجانين، ولو رأوكم لقالوا: شياطين".