ولقلة الاعتداد بالمعارف الدنيوية قال رجل لمن وصف نصرانيا بالعقل: مه، إنما العاقل من وحد الله تعالى وعمل بطاعته، وقال تعالى حكاية عن أهل النار: (لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فِي أصحاب السعير(10) .
ومن تصور اختلاف الطريقين - أعني طريق الدنيا وطريق الآخرة - لم تعرض له الشبهة التي عرضت لقوم قالوا: لو أن هاهنا حقا لما جهله الذين لم يلحق شأوهم فِي تدبير الدنيا ودقائق الصناعات وواضعو الحكم والسياسات، وذلك أنه كما أن من المحال أن يظفر سالك طريق المشرق بما لا يوجد إلا فِي المغرب، أو يظفر سالك طريق الغرب بما لا يوجد إلا فِي الشرق، كذلك من المحال أن يظفر سالك طريق معارف الدنيا
بمعارف طريق الآخرة، وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: (إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون(7)
وبقوله: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون(6) يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا).
ولا يكاد يجمع ين طريق معرفة الدنيا والآخرة معا على التحقيق والتصديق إلا من رشحهم الله تعالى لتهذيب الناس فِي أمر معاشهم ومعادهم جميعا، كالأنبياء وبعض الحكماء.
ولما كان العقل هو الذي يردع الإنسان عن الذنب، واكتسابه على التمام والكمال فِي الورى عسير، لم ينفك أحد من ذنب يرتكبه، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"ما منا نبي إلا أذنب أو هم" (1) .
منازل العقل واختلاف أساميها بحسبها
العقل: اسم عام لا يكون بالقوة وبالفعل، ولا يكون غريزيا ومكتسبا، وهو فِي اللغة عبارة عن قيد البعير لئلا يند، وسمي هذا الجوهر به تشبيها على عادتهم فِي استعارة أسماء المحسوسات للمعقولات، وخص بناء المصدر به لما كان يستعمل مرة للحدث، ومرة للفاعل، نحو عدل، وصوم، وزور، ومرة للمفعول نحو خلق وأمر. لكن يتصور