وقرأ الجمهور: {أنفسكم} بالنصب، على أنه معمول المصدر المضاف إلى فاعله، وقرأ ابن أبي عبلة، وابن أبي عبيدة: بالرفع على إضافة المصدر إلى مفعوله، وهما وجهان حسنان، ولا قبح في إضافة المصدر إلى المفعول، مع وجود الفاعل، وفي الآية دليل على أن العبد لا ملك له؛ لأنه أخبر: أن لا مشاركة للعبيد فيما رزقنا الله سبحانه من الأموال.
{كَذَلِكَ} ؛ أي: مثل ذلك التفصيل الواضح المذكور في هذا المثل {نُفَصِّلُ الْآيَاتِ} ؛ أي: نبين ونوضح دلائل الوحدة، تفصيلًا واضحًا، وبيانًا جليًا، لا تفصيلًا أدنى منه، فإن التمثيل: تصوير للمعاني المعقولة بصورة المحسوس، فيكون في غاية البيان والإيضاح.
وقرأ الجمهور: {نُفَصِّلُ} بالنون، حملًا على رزقناكم. وقرأ عباس عن ابن عمر: بياء الغيبة، مراعيًا لضرب إذ هو مسند للغائب {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ؛ أي: يستعملون عقولهم في تدبر الأمور والأمثال؛ لأنهم الذين ينتفعون بالآيات التنزيلية والتكوينية؛ باستعمال عقولهم في تدبرها والتفكر فيها.
وحاصل معنى الآية: أي بين الله تعالى إثبات وحدانيته، بما يكشفها من ذلك المثل المنتزع من أحوال أنفسكم وأطوارها، التي هي أقرب الأمور إليكم، وبه يستبين مقدار ما أنتم فيه من الضلال بعبادة الأوثان والأصنام، فتسرعون إلى الإقلاع عن عبادة من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا.
وهذا مثل ضربه الله للمشركين به، العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء، وهم معترفون بأن شركاءه من الأصنام والأوثان عبيده وملكه، إذ كانوا يفولون في التلبية والدعاء حين أداء مناسك الحج: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.
وخلاصة المثل: أن أحدكم يأنف أن يساويه عبيده في التصرف في أمواله، فيكف تجعلون لله الأنداد من خلقه.