وطعن فيهم بعض الحشوية بأنهم قالوا أتجعل ، والاعتراض على الله من أعظم الذنوب . وأيضاً نسبوا بني آدم إلى القتل والفساد وهذا غيبة وهي من أعظم الكبائر . وأيضاً مدحوا أنفسهم بقولهم {ونحن نسبح بحمدك} وهو عجب . وأيضاً قولهم {لا علم لنا إلا ما علمتنا} اعتذار والعذر دليل الذنب . وأيضاً قوله تعالى {إن كنتم صادقين} دل على أنهم كانوا كاذبين فيما قالوه . وأيضاً قوله {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض} يدل على أنهم كانوا مرتابين فِي أنه تعالى عالم بكل المعلومات . وأيضاً علمهم بالإفساد وسفك الدماء إما بالوحي وهو بعيد وإلا لم يكن لإعادة الكلام فائدة ، وإما بالاستنباط والظن وهو منهي {ولا تقْفُ ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] وأيضاً قصة هاروت وماروت وأن إبليس كان من الملائكة المقربين ثم عصى الله وكفر . والجواب عن اعتراضهم على الله أن غرضهم من ذلك السؤال لم يكن هو الإنكار ولا تنبيه الله على شيء لا يعلمه فإن هذا الاعتقاد كفر ، وإنما المقصود من ذلك أمور منها: أن الإنسان إذا كان قاطعاً بحكمة غيره ثم رآه يفعل فعلاً لا يهتدي ذلك الإنسان إلى وجه الحكمة فيه ، استفهم عن ذلك متعجباً . فكأنهم قالوا إعطاء هذه النعم العظام من يفسد ويسفك لا تفعله إلا لوجه دقيق وسر غامض فما أبلغ حكمتك ، ومنها أن إبداء الإشكال طلباً للجواب غير محذور ، فكأنه قيل: إلهنا أنت الحكيم الذي لا يفعل السفه ألبتة ، وتمكين السفيه من السفه قبيح من الحكيم ، فكيف يمكن الجمع بين الأمرين؟ وهذا جواب المعتزلة ، واستدلوا به على أن الملائكة لم يجوزوا صدور القبيح من الله تعالى فكانوا على مذهب أهل العدل قالوا: ومما يؤكد ذلك أنهم أضافوا الفساد وسفك الدماء إلى المخلوقين لا إلى الخالق .