إن أصحاب هذه الشبهة من الملاحدة يقولون: إن القرآن هو الأثر التاريخي الوحيد الذي يمثل روح عصره أصدق تمثيل، فإذا كانوا صادقين في هذه الكلمة فإننا نحاكمهم في هذه الشبهة إلى القرآن نفسه، وندعوهم أن يقرؤوه ولو مرة واحدة بتعقل ونَصَفَة؛ ليعرفوا منه كيف كانت الأديان وعلماؤها وكتابها في عصره؟ وليعلموا أنها ما كانت تصلح لأستاذية رشيدة؛ بل كانت هي في أشد الحاجة إلى أستاذية رشيدة، إنهم إن فعلوا ذلك فسيستريحون ويريحون الناس من هذا الضلال والزيغ، ومن ذلك الخبط والخلط. هدانا وهداهم الله؛ فإن الهدي هداه ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
فإن طبيعة الدين الذي ينتمي إليه الراهب بحيرى تأبى أن تكون مصدرًا للقرآن وهداياته خصوصًا بعد أن أصاب ذلك الدين ما أصابه من تغيير وتحريف.
وفي الحديث:"وَإِنَّ الله نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ".
قال النووي: الْمَقْت: أَشَدّ الْبُغْض، وَالْمُرَاد بِهَذَا الْمَقْت وَالنَّظَر: مَا قَبْل بَعْثَة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، وَالْمُرَاد بِبَقَايَا أَهْل الْكِتَاب: الْبَاقُونَ عَلَى التَّمَسُّك بِدِيِنهمْ الْحَقّ مِنْ غَيْر تَبْدِيل.
قال ابن القيم: فكان أهل العقول كلهم في مقته إلا بقايا متمسكين بالوحي فلم يستفيدوا بعقولهم حين فقدوا نور الوحي إلا عبادة الأوثان، أو الصلبان، أو النيران، أو الكواكب والشمس والقمر، أو الحيرة والشك، أو السحر، أو تعطيل الصانع والكفر به، فاستفادوا بها مقت الرب سبحانه لهم وإعراضه عنهم فأطلع الله شمس الرسالة في تلك الظلم سراجًا منيرًا، وأنعم بها على أهل الأرض في عقولهم وقلوبهم.
الوجه الثامن عشر: لو كانت روايتى لقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ببحيرى صحيحة لما خاف محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم ظهر له جبريل.
فنتساءل: إن كان بحيرى الراهب قد قال لمحمد ومن معه أنه سيكون رسول الله، فلماذا تشكك واضطرب محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم ظهر له جبريل وخاف على نفسه؟.