والشُّعَرَاءُ يَخُوضونَ في كُلِّ لغْوٍ، ألم تر أنهم في كل واد من أودية القول يهيمون على وجوههم، في كلِّ فَنٍّ مِنْ فُنُونِ الكَلَامِ، فلا يهتدون إلى الحق؟ فَهُمْ يَخُوضُونَ مرةً فِي شَتيمةِ فلانٍ، ومَرةً في مَدِيحِ فُلانٍ، فلا يَهْتَدُونَ إلى الحقِّ.
والشُّعْرَاءُ يقُولُونَ مَا لَا يَلْتَزِمُونَ بهِ في عَمَلِهِمْ، وَيتبَجَّحُونَ بأقْوَالٍ وأَفْعَالٍ لَمْ تَصْدُرْ عَنْهُمْ ولا مِنْهُمْ، فَيتكَثَّرُونَ بِمَا ليسَ لهُمْ، والرَّسُولُ الذي أُنْزِلَ عليهِ القُرآنُ ليسَ بِكَاهِنٍ، ولا شَاعِرٍ لأنَّ حالَهُ مُنَافٍ لِحَالِ الشُّعَراءِ مِنْ وُجُوهٍ ظَاهِرَةٍ فهو ينطق بالحكمة، وهم ينطقون بالزور.
وقوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ} يظهر منه أن الله تولى الدفاع عن حبيبه ونبيه - صلى الله عليه وسلم -، وقوله تعالى: {وَمَا غَوَى} [النجم: 2] نفي لقولهم هو شاعر إذ الشعراء يتبعهم الغاوون.
يقول محمد الأمين الشنقيطي: أما دعواهم أنه - صلى الله عليه وسلم - شاعر، فقد ذكره تعالى في قوله عنهم: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} [الأنبياء: 5] ، وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 36] ، وقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور: 30] . وأمّا تكذيب الله لهم في ذلك، فقد ذكره في قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ} [الحاقة: 41] ، وقوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69] ، وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 36, 37] ؛ لأن قوله تعالى: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ} ، تكذيب لهم في قولهم إنه شاعر مجنون.