قال ابن قدامة: وليس في إباحة الشعر خلاف، وقد قاله الصحابة والعلماء، والحاجة تدعو إليه لمعرفة اللغة العربية والاستشهاد به في التفسير، وتعرف معاني كلام تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويستدل به أيضًا على النسب والتاريخ وأيام العرب.
فالشعر أنواع: فما كان فيه حكمة، أو موعظة حسنة، أو دفاع عن حق، أو إبطال لباطل، أو نحو ذلك من وجوه الخير فهو خير وهو مشروع. وما كان فيه كذب، أو شرك، أو لهو، أو مجون، أو إغراء بشرٍّ أو نصر لباطل، أو إبطال لحق، أو ثناء على أهل الشر، أو ذم لأهل الخير، أو نحو ذلك فهو شر وهو ممنوع، وبالجملة فحكمه حكم ما اشتمل عليه.
يقول ابن حجر: الذي يتحصل من كلام العلماء في حد الشعر الجائز أنه إذا لم يكثر منه في المسجد، وخلا عن هجوٍ وعن الإغراق في المدح والكذب المحض والتغزل بمعين لا يحل، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على جوازه إذا كان كذلك.
الوجه الثالث: سيرته - صلى الله عليه وسلم - تشهد على قلة معرفته للشعر، واستحالة تأليفه له.
من أين للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعرف الشعر أو أن يقوله؟ والله يقول: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} [يس: 69] . ويقول: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} [الشعراء: 224 - 226] .
قَالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا لَشاعرٌ، وقالوا: إن القرآنُ شِعْرٌ؛ فأنزَلَ الله تَعالى هذهِ الآيةَ الكريمةَ يرُدُّ بها على افْتِرَائِهِمْ هَذا، ويقولُ لهمْ: إنَّ القرآنَ فيما حَوَاه من حِكَمٍ وأحْكَامٍ، وفي أُسْلُوبِه يَتَنَاقَضُ مع الشِّعْرِ. وإنَّ حَالَ مُحَمَّدٍ يَتَنَافَى مَعَ حَالِ الشُّعْراءِ، فهوَ لا يَنْطِقُ إلا بالحَقِّ والحِكْمَةِ، والصِّدْقِ، ويَتَّبِعُهُ الصَّادِقُونَ المُخْلِصُونَ. والشُّعَراءُ يقولونَ الباطِلَ والزُّورَ، ولا يَتَّبِعُهُمْ إلا الضَّالُّونَ.