وقديماً ، كان الناس يتعاملون بالتبادل والمقايضة ، وفي هذه الحالة لا يوجد بائع على حِدَة ولا مُشْترٍ على حِدَة ، فلا يتفرد البائع بالبيع ، والمشتري بالشراء ، إلا في حالة مبادلة السلعة بثمن ، كما قال تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20] أي: باعوه .
أما في حالة المقايضة ، فأنت تأخذ القمح تأكله ، وأنا آخذ التمر آكله ، فالانتفاع هنا انتفاع مباشر بالسلعة ، فإنْ قدَّرْتَ أن كل واحد في الصفقة بائع ومشترْ . تقول: شَرَى وباع . وإنْ قدَّرْت الأثمان التي لا ينتفع بها انتفاعاً مباشراً كالذهب والفضة ، أو أي معدن آخر ، وهذه الأشياء لا تؤكل فهي ثمن ، أمّا الأشياء الأخرى فصالحة أنْ تكون سلعة ، وصالحة لأنْ تكون ثمناً .
وقد أفرد القرآن الكريم سورة مخصوصة لمسألة الكيل والميزان هي"سورة المطففين"، يقول سبحانه: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين: 13] .
نقول: كال له يعني: أعطاه ، واكتال عليه يعني: أخذ منه . فإن أخذ أخذ وافياً ، وإنْ أعطى أعطى بالنقص والخسارة . والقرآن لا ينعى عليه أن يستوفى حقّه ، لكن ينعى عليه أن ينقص من حَقِّ الآخرين ، ولو شيئاً يسيراً .
فمعنى (المطففين) من الشيء الطفيف اليسير ، فإذا كان الويل لمن يظلم في الشيء الطفيف ، فما بال مَنْ يظلم من الكل؟
فاللوم هنا لمَنْ يجمع بين هذين الأمرين: يأخذ بالزيادة ويُعطي بالنقص ، أما مَنْ يعطي بالزيادة فلا بأس ، وجزاؤه على الله ، وهو من المحسنين ، الذين قال الله فيهم: {مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ} [التوبة: 91] .