النصر المعونة على دفع الشر والسوء عن غيره، والانتصار أن يدفع عن نفسه، وإنما قال: {أَوْ يَنْتَصِرُونَ} بعد قوله: {هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ} ؛ لأن رتبة النصر بعد رتبة الانتصار؛ لأن من نصر غيره فلا شك في الانتصار، وقد ينتصر من لا يقدر على نصر غيره.
{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) }
ذكر مكررًا للتأكيد في ثلاثة مواضع: في قصة نوح، وهود، وشعيب.
فإن قلت: لِمَ خصت الثلاثة بالتأكيد؟
قلت: اكتفاء عنه في قصة لوط بقوله: {إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} ، وفي قصة شعيب بقوله: {وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) } لاستلزامهما له.
{مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) }
فإن قلت: لم قال هنا {مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} بلا واو، وفي قصة شعيب: {وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ} بواو، فما الفرق بين الموضعين؟
قلت: ما هنا بدل مما قبله، وثَمَّ معطوف على ما قبله، وخص ما هنا بالبدل؛ لأن صالحًا قلل في الخطاب، فقلّلوا في الجواب، وأكثر شعيب في الخطاب فأكثروا في الجواب.
والمعنى: أي إنك بشر مثلنا، فكيف أوحي إليك دوننا، كما حكي عنهم في آية أخرى: {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) } .
{فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ ... (158) }
فإن قلت: كيف أخذهم العذاب بعدما ندموا على جنايتهم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:"الندم توبة"؟
قلتُ: ندمهم كان عند معاينة العذاب، وهي ليست وقت التوبة، كما قال تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} الآية، وقيل: كان ندمهم ندم خوف من العذاب العاجل، لا ندم توبة فلم ينفعهم.
{قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) }
وإنما قال: {مِنَ الْقَالِينَ} دون (قالٍ) إيماء إلى أنه من القوم الذين لو سمعوا بما تفعلون لأبغضوه، كما يقال: فلان من العلماء، فإنه أشد مدحًا من قولك: فلان عالم، إذ الأول تدل على أنه في عداد زمرة لعلماء المعروفين بمساهمته لهم في العلم.
ا