قلت: لأنهما مما يصدران من الإنسان عادة، فيقال: زيد يطعم ويسقي، فذكر {هُوَ} تأكيدًا وإعلامًا بأن ذلك منه تعالى، لا من غيره بخلاف الخلق والموت والحياة، لا تصدر من غير الله تعالى: اهـ من"فتح الرحمن".
وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة المعطوفة للإيذان بأن كل واحد من الصلات نعت جليل مستقل في إيجاب الحكم.
فإن قلت: لِمَ نسب المرض إلى نفسه حيث قال: {وَإِذَا مَرِضْتُ} ولم يقل: وإذا أمرضني، والشفاء إلى الله تعالى حيث قال {فَهُوَ يَشْفِينِ} مع أنهما من الله تعالى؟
قلت: أراد الثناء على ربه، فأضاف إليه الخير المحض الذي هو الشفاء، وأضاف المرض الذي هو النقمة إلى نفسه لرعاية حسن الأدب؛ لأنه لو قال: وإذا أمرضني لعد قومه ذلك عيبًا، ونظيره قصة الخضر حيث قال في العيب: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} ، وفي الخير المحض {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} ، وكذا الجن راقبوا هذا الأدب بعينه، حيث قالوا: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10) } .
وقوله: {وَإِذَا مَرِضْتُ} معطوف على {يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} ، وإنما نظمهما في سلك صلة واحدة، لما أن الصحة والمرض من متفرعات الأكل والشرب غالبًا، فإن البطنة تورث الأسقام والأوجاع، والخمصة أصل الراحة والسلامة، قالت الحكماء: لو قيل لأكثر الموتى: ما سبب آجالكم؟ لقالوا: التخم، وفي الحكمة: ليس للبطنة خير من خمصة تتبعها.
{وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) }
فإن قيل: فهذا يرده قوله: {وَالَّذِي يُمِيتُنِي} ؟
فالجواب: أن القوم كانوا لا ينكرون الموت، وإنما يجعلون له سببًا سوى تقدير الله تعالى، فأضافه إبراهيم إلى الله عز وجل. اهـ. من"زاد المسير".
{وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) }
فإن قلت: كيف قرّبت مع أنها لم تنقل من مكانها؟
قلتُ: فيه قلب؛ أي: وأزلف المتقون إلى الجنة، كما يقول الحجاج إذا دنوا إلى مكة: قربت مكة إلينا، وفي هذا تعجيل لمسرتهم كفاء ما عملوا لها، ورغبوا عن الدنيا وزخرفها.
{هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) }
قال في"كشف الأسرار":