(لَوْ) حرف امتناع لامتناع، أي امتنع الجواب لامتناع الشرط، أي امتنع أن يجعل اللَّه تعالى في كل قرية نذيرا، لامتناع مشيئته سبحانه ذلك، وله سبحانه وتعالى في ذلك حكمة وارادة، وعلى أن الناس متشابهون خلقا وتكوينا وإرادة، وسيطرة الأهواء الشيطانية على بعضهم، والعقل على آخرين اصطفاهم اللَّه تعالى، وبهداه اقتدوا، فكان الإعلام بالرسالة والنذير، إعلاما لهم أجمعين، ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وكان إنذار محمد - صلى الله عليه وسلم - عاما للناس أجمعين، وكان التبليغ الكامل حقا عليه وعلى من تبعه من بعده، كما قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. . .) .
وإذا كان إنذار الناس أجمعين حقا على النبي واجبا عليه، كان لابد من الجهاد، ولذا قال تعالى:
(فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا(52)
الفاء للإفصاح لأنها تفصح عن شرط مقدر، وقد أمره تعالى بأمرين:
الأمر الأول - ألا تطع الكافرين؛ لأنه منذر لهم، والطاعة تكون بتخاذله في الدعوة، وممالأتهم فيما يعبدون، وذلك مستحيل أن يكون من محمد المبعوث رحمة للعالمين والذي جاء لإصلاحهم، فلا يصح أن يعود إلى مداهنتهم في الحق، وإنما ذلك أمر لأتباعه - صلى الله عليه وسلم - من بعده، ومن هم معه في حال حياته، وذكر الكافرين بالاسم الظاهر لبيان أن طاعتهم طاعة للكفر، فكان ذلك تأكيد النفي ببيان سببه.